المغرب: وزارة الأوقاف ووزيرها بين لوبي الاغتراب وضغط الواقع وشرع الإسلام الحنيف

أثارت خطبة الجمعة الأخيرة، التي أُلقيت تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، نقاشاً واسعاً في المغرب، بعدما اعتبرها عدد من المتابعين والمهتمين بالشأن الديني محاولة لتمرير تصورات قانونية بشكل تدريجي، وتقديمها للرأي العام في قالب ديني يوحي بأنها من “شرع الله”، في حين أنها، في جوهرها، قوانين وضعية تخضع للاجتهاد البشري والأخذ والرد.

ولا يختلف اثنان حول ضرورة احترام القوانين الوضعية والالتزام بها ما دامت تحقق المصلحة العامة ولا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية. فالمغاربة، على سبيل المثال، يلتزمون بقانون مدونة السير لأنه لا يصادم الشرع، بل يحقق مقاصده في حفظ النفس وتنظيم المجتمع. غير أن الإشكال الحقيقي، كما يرى فقهاء وفاعلون، يكمن حين يُسوَّق القانون الوضعي باعتباره امتداداً لشرع الله، دون تمييز واضح بين النص القطعي الثابت، والاجتهاد الإنساني المتغير.

ويضرب منتقدو هذا التوجه أمثلة صريحة، كتنظيم الربا والقمار وبيع الخمور بقوانين وضعية، في الوقت الذي يحرّمها الإسلام تحريماً قاطعاً. فهل يمكن، من الناحية الشرعية، اعتبار هذه القوانين من شرع الله؟ الجواب، وفق ذات الأصوات، واضح ولا يحتمل التأويل: طاعة القوانين الوضعية مشروطة بعدم تعارضها مع أحكام الدين، ولا يجوز شرعاً إلباسها لبوس التشريع الإلهي.

ويزداد القلق مع تصاعد الحديث عن إصلاح مدونة الأسرة في المغرب، خاصة في القضايا الجوهرية المرتبطة بالزواج والطلاق والتعدد والحضانة والميراث. إذ يحذّر متابعون من محاولات بعض التيارات “الحداثية”، المدعومة بخطاب حقوقي وافد وضغوط لوبيات الاغتراب ومنظمات دولية، للانقلاب على ثوابت قطعية في الدين، ثم تقديم هذه الاختيارات على أنها اجتهادات شرعية أو “مقاصدية”، في خلط خطير بين الثابت والمتغير.

وفي هذا السياق، يستحضر المتتبعون الدور التاريخي للمؤسسة الملكية، حيث حرص الملوك العلويون، عبر العصور، على عدم الجرأة على شرع الله أو اقتحام ما هو محرّم بنص قطعي، وتجنب الخوض في قضايا تمس أسس الشرع ومقاصده. وعندما اشتد الجدل حول إصلاح مدونة الأسرة، لم يكن موقف الدولة ارتجالياً أو خاضعاً للضغط، بل أُسندت مراجعة القوانين إلى أهل الاختصاص من العلماء.

وقد أكد الملك الراحل، كما جدّد التأكيد الملك محمد السادس، أن ما كان من ثوابت الدين وقطعي الدلالة والثبوت لا اجتهاد فيه مع وجود النص، وأن ما كان قابلاً للاجتهاد يُنظر فيه وفق منهج الدين ومقاصده، مع تحقيق الموازنة بين المصالح والمفاسد. وهو ما عبّر عنه الملك محمد السادس بوضوح حين قال إنه “لا يُحلّ حراماً ولا يُحرّم حلالاً”، في تأكيد صريح على أن الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها إلا الراسخون في العلم.

ولهذه الغاية، تم إحداث المجلس العلمي الأعلى، باعتباره الجهة المخوّل لها الإفتاء، وفق قواعد الدين وأصوله، والنظر في ما يستجد من قضايا المسلمين دون انحراف عن الثوابت، وفي مقدمتها الإسلام باعتباره الركيزة الأولى التي تقوم عليها الدولة في المملكة المغربية.

ويرى مراقبون أن أي خروج عن هذه الدائرة الوسطية، أو محاولة فرض تأويلات تصطدم مع النصوص القطعية، يُعد تهديداً لوحدة المجتمع ومصدراً للفتنة، وضرباً لمبدأ الجماعة الذي يشكل أصلاً من أصول الدين. كما يحذرون من أن تمرير المغالطات بغطاء ديني، خاصة في قضايا حساسة كمدونة الأسرة والميراث، من شأنه إرباك وعي المغاربة وزرع الشك في ثوابتهم الدينية.

وخلاصة القول، يؤكد متابعون أن المغاربة مع دولة المؤسسات والقانون، لكنهم في الآن ذاته مع شرع الله أولاً، دون خلط أو تضليل، ودون تقديم الاجتهاد البشري على النص الشرعي القطعي. وبين ضغط الواقع ولوبيات الاغتراب، تبقى مسؤولية وزارة الأوقاف ووزيرها جسيمة في صيانة الخطاب الديني، وضمان وضوحه، وحماية الثوابت من أي توظيف أو تأويل قد يفتح باب الفتنة في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب.