محنة محمد حسين يعقوب: دروس وعبر

الوطن 24/ بقلم: نور الدين الحاتمي
إن استدعاء “الشيخ” محمد حسين يعقوب للإدلاء بشهادته فيما يخص “خلية داعش امبابة” موضوع يحمل في طياته عددا من الرسائل الخطيرة، تزكيها الحملات الإعلامية التي تشنها جملة من الأسماء المحسوبة على الإعلام الرسمي والتي “تجتهد” في القيام بنوع من التحريض ضده وضد نظرائه ممن هم من طينته ونوعه، فتُقلب وتبحث عن الخطب والدروس و”المحاضرات” التي كان يلقيها هو و”إخوانه” من المشايخ: مشايخ السلفية، وتفتش فيها لعلها تظفر بما من شأنه أن يدينهم ويقضي عليهم.
إن هذا الموضوع يؤذن بأن هؤلاء “المشائخ” قد دخلوا ـ أو سيدخلون في القريب ـ مرحلة مظلمة، صعبة وقاسية، وهذه المرحلة سيكون لها ما بعدها، بالنسبة إليهم وبالنسبة إلى غيرهم ممن هم على منهجهم ومذهبهم، وسيدفعون فيها ثمنا باهظا جزاء ادعائهم المشيخة، وزعمهم أنهم قادة ومؤثرون حقيقيون جديرون بأن تحسب لهم الدولة حسابا، وجزاء تعبيرهم عن كونهم يتحكمون في الشارع المسلم، والناس لهم تبع، بل وجزاء تعاليهم على الناس واعتبارهم من دونهم عواما وجهلة.
إن المصير الأسود، الذي لا نتمناه لهم ولا يتمناه لهم أي مسلم، والذي يلوح في الافق، لأن كل المؤشرات تؤذن بأنه ينتظرهم، وهم سائرون إليه لا محالة، مهم ولكنه ليس الأهم بالنسبة إلينا، وإن الأهم هنا هوـ والذي يعنينا ـ هو الإشارات والرسائل والدروس والعبر، التي ينبغي تسجيلها انطلاقا من الشهادة التي أدلى بها الرجل، والطريقة التي أدلاها بها، والحال التي كان عليها وهو يدلي بها.
إن اول درس نخرج به من حال الرجل، والوضع الذي كان عليه، هو أن قراءة الكتب الإسلامية والاطلاع عليها، وعرضها على الجمهور من على المنابر وعبر القنوات، واعلان الرجل نفسه شيخا سلفيا يدين لله بـ “منهج السلف” ويستغرق في حكاية قصص الصالحين والمجاهدين، لا يجعل منه مثلهم ولا يرفعه إلى منزلتهم، وإن الرجل عندما يختار أن يمضي في هذه الطريق، إنما يختار مهنة تدر عليه الأرباح ويجني من خلالها الثمار، لا أقل ولا أكثر، ولا يكون للأمر أية علاقة بالمتاجرة مع الله والعمل معه، كما يقال.
ونستفيد كذلك، أن قراءة كتب العقيدة و استظهارها، لا يجعل من الرجل صاحب عقيدة وإيمان، فقد تأكد لنا ـ وعبر عدد من الوقائع والأحداث ـ أن الاطلاع على كتب العقائد وعلم الكلام والمساجلة بها وحولها، وتبني “منهج السلف” و”عقيدة السلف أهل الحديث” وادعاء الذود عنهما، لا يعني أن هذا الرجل يتمتع بعقيدة صلبة وإيمان راسخ، والحديث عن الإيمان لا يعني أن إيمان هذا المتحدث قوي، واستظهار نصوص وأقوال السلف حول العقيدة، لا يعني أيضا أن هذا المستظهر ذو عقيدة سليمة ومتينة، فالإيمان الحق هو الذي يجعلك تؤمن حقيقة، أن الله الذي تعبده وتدعو إليه هو وحده الذي يقدر لك أو عليك، وهو وحده الذي يعز ويذل، ووحده يبتليك بالنقم كما يبتليك بالنعم، فلا تسأل إلا إياه ولا تخشى إلا إياه . والعقيدة المتينة هي التي تجعل صاحبها يثبت أمام الزلازل والاهوال ويصمد في وجهها. إن الابتلاء إذن، هو الذي يكشف لنا معادن الرجال وليس الدعاوى العريضة والمزايدات الفارغة على الناس.
كما نستفيد أيضا أن كل ما يقوله هؤلاء “الدعاة” أو “الشيوخ” ويحدثون الناس به عن التضحية في سبيل الإسلام، وفي سبيل الدعوة، كما كان شأن الصحابة الكرام، لا يتوجهون به إلى انفسهم، ولا يعنيهم هم، وإنما هو كلام يخاطبون به “العوام” كما يسمونهم، أي من هم دونهم تدينا و التزاما، فلم يكتب صاحب “لا تحزن” الكتاب لنفسه ليعتبر به هو ويعمل بمقتضاه هو، وإنما كتبه للناس، تعزية لهم على مصائبهم ومواساة لهم وتحريضا لهم على الصبر والتحمل، حتى إذا ابتلي هو لم يلتفت إليه ولم يعد إليه، وإنما توجه إلى ذوي السلطان للنجاة بنفسه. ونفس الأمر بالنسبة للرجل محمد حسين يعقوب، فقد قرأ كتاب” أصحاب الاخدود” لرفاعي سرور وأثنى عليه وعلى كاتبه، ولكنه أيضا، قرأ الكتاب فقط ، من أجل إعداد درس مؤدى عنه ومأجور عليه، وبالتالي، لم يكن للكتاب أي تأثير عليه، وإلا فإن هذا الكتاب خطاب واضح وموجه إليه، هو ومن على شاكلته ممن اختاروا طريق “الدعوة”، خاصة وأنه يشير بوضوح إلى أن قصة “أصحاب الاخدود” هي طريق الدعوة والدعاة ونبراسهم، ويرد على من يزعم أن مصلحة الدعوة تقتضي الحفاظ على حياة الدعاة، بإشارته إلى أن الرأي انحراف عن طريق الدعوة، محاولة للارتداد عنها.
بالإضافة إلى ذلك، نستفيد ـ وهذا مهم أيضاـ أن هؤلاء الدعاة الذين أحاطوا انفسهم وحصنوها بعدد من النصوص والنقولات، التي أضفت عليهم هالة من “التقديس” لا يختلفون عن غيرهم ولا يزيدون عليهم، بحيث يجري عليهم، ما يجري على هؤلاء “العوام” ويصيبهم ما يصيب أولئك، أي أنهم يخشون بطش ذوي السلطان كما يخشىاه غيرهم من “العوام” ويتقون شرهم كما يفعل الناس عادة، وبالتالي، فإن هذه الحال المخزية والفاضحة التي ظهر بها، ويظهر بها جل هؤلاء الدعاة والمشائخ “ورثة الأنبياء” أدعى بأن تجعلهم يتواضعون، لا أقول قليلا ولكن كثيرا، ويتوقفون عن التكبر عن الخلق والتعالي عليهم، والزعم أن الطريق الموصلة إلى الله هي، بالضرورة، الطريق التي يرسمونها هم ويخطونها هم، والتي يكرسون بها سلطتهم على الناس، ويحكمون قبضتهم عليهم، حتى أن الناظر يحسبهم عبيدا لهم يعكفون على خدمتهم، و ليسوا عبادا لله أحرارا، كما أرادهم ربهم.
وكيف ما كانت الحال، فإن هناك أمرا مهما ينبغي الإشارة إليه والوقوف عنده، فهؤلاء المشايخ معذورون في تعلقهم بالدنيا، فقد اجتهدوا وجاهدوا حتى اشتهروا واغتنوا وحصلوا العز والجاه الذين ينعمون بهما، وتوفرت لهم شروط للعيش، لم تتوفر لغيرهم، حتى إذا قلنا مع القائلين أنهم يعيشون جنتهم الموعودة في الدنيا لم نبالغ ولم نعد الصواب. فمن من الناس بإمكانه أن يزهد في زهرة الحياة الدنيا وزينتها؟ ومن من الناس يقدر على أن يزهد في العاجلة وهو ينعم فيها بالطيبات والملذات؟ إنه لا يقدر على ذلك إلا من اصطفاه الله واختاره، وإنه لا يغامر مثل هذا النوع من المغامرات إلا من كان قلبه مليئا بالإيمان والتصديق بوعد الله.
تختم هذه الورقة نفسها بالقول أن هذه “المحنة” ستتولد عنها نعم عظيمة، إذ ستسهم في “تنوير” وعي الناس ورفع وصاية “رجال الدين” عليهم، وستسهم في تحريرهم من قبضتهم وسطوتهم، لأنهم سيتأكدون بأن هؤلاء “الشيوخ” ليس لهم ما يزايدون به عليهم، والدعوة التي يزعمون أنهم أوقفوا حياتهم في سبيلها ليست بالنسبة إليهم إلا تجارة تكسبهم أكثر، ومثل هذه “المحنة” ستعصم العباد من الاغترار بفصاحة “رجال الدين” ومهاراتهم في الخطابة وسيكون “فيصل التفرقة” بين العلماء العاملين والصادقين وبين غيرهم من المتعالمين المتفيهقين والمتشدقين، هو الصبر على البلاء والصدق عند اللقاء، وليس التقعر في الكلام واستعراض العضلات بسرد النصوص والمحفوظات، لإرعاب العوام وإرهابهم.
