أبو حفص…الهروب من التكفير عبر التكفير (4)

مراجعات بمقتضى “الصفق بالأسواق” والتعاقدات والضحايا تائهون
الوطن 24/ بقلم: إدريس عدار

اعتبر البعض أن ما نطارح فيه رفيقي أبو حفص ليس في كبير. بمعنى أن هناك أشياء مهمة ينبغي الكتابة عنها بدل هذا الاهتمام الزائد بأمور لا معنى لها. طبعا لا يمكن أن تحدد لأحد كيف يكتب ومتى يكتب وأين يكتب إلا إذا كان أجيرا. والحال أني أكتب بمزاجي وذوقي، وهذا يزعج من لا ذوق له في الكتابة..
مطاردة الرداءة هي اليوم فن قائم الذات وصناعة يقتحمها من له الصبر والقدرة على التحمل، لأن الرداءة هي البضاعة الأكثر رواجا..هناك من لا أصل عشر معرفته يهتم بموضوع التفاهة والرداءة ومنهم طبعا فلاسفة..إذا كان أحد لا يريد فضح التفاهة فمعناه أنه يساهم في إفساد الجو العام للثقافة والمعرفة..وأخطر قاعدة تخرق الفكر هي السطو على منتوج الآخرين..ليس دعما لمشروع قائم ولكن عن طريق هذه السرقات يمكن أن تصبح “تنويريا”.
في موضوع السرقات يقول البعض إن الأمر يتعلق بأمور تافهة وبالتالي لا يستحسن متابعته عليها..فعل السرقة جرم بحد ذاته، وفي المحكمة لا يسألون عن نوع المسروق ولكن عن فعل السرقة، وتكون الجزاءات وفق الفعل لا نوع المحجوز..فحتى لو سرق لك شخص شيئا أنت لا تستعمله فحتما من حقك متابعته..يعني محل النزاع هنا ليس المسروق ولكن الدفاع عن الأمانة العلمية..أذكر قضية بسرعة قبل العودة إليها بالتفصيل..يوم طرح إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، مسألة المساواة في الإرث، كتبت عن “التعصيب في الإرث” وأنه ليس من الشريعة، وأحلت على مصدره وقلت إنه من الفقه الجعفري وأن شيخ الأزهر الأسبق محمود شلتوت اعتبر هذا المذهب من المذاهب المعتبرة، وقلت إنه من باب التفاعل بين المدارس الإسلامية يمكن اعتماده..تولت صفحات تصوير المقال ونشره على أساس أنه محاولة لـ”التغلغل” و”الاختراق” وهلم جرا..
بعدها كان أبو حفص مشاركا في إحدى الندوات فقال إن التعصيب غير موجود في الفقه الإسلامي..سرق العنوان وسرق بنية الاستدلال كاملة ولم يشر إلى مصادره بتاتا..وأوحى بأن الأمر هي خلاصة اجتهاده…فتولى الإعلام الدعاية معتبرا ما قاله هو عين التنوير الديني..بأي مقياس نحكم ونتحاكم؟
التنوير الديني يتم بمقتضى تأويل النصوص، أما “الدعس” على النص كما يفعل أبو حفص فلن ينتج التنوير الديني ولكن سيكون وقودا لمزيد من التطرف..فمن جهة هو استفزاز لعوام الناس، ومن جهة أخرى تأجيج لغضب تلاميذ أبي حفص، الذين تركهم خلفه في السجن. ما يقوم به لا يساهم في التنوير الديني..بل يساهم في إعادة إنتاج التطرف..ومن تلبيساته الخطيرة أنه يستطيع إقناع الجهاديين بالعودة إلى جادة الصواب..للعلم فقط أن الدين، وبعيدا عن العقيدة، هو معطى اجتماعي، وبالتالي استفزاز العوام بالضرب في الأصول هو إنتاج للتطرف.
محاربة التطرف لن تتم إلا عبر تأويل النص وفق مفاهيم وأدوات ينتجها المفكر نفسه.
لكن أبو حفص، هذا الذي لم يكن مجتهدا في السلفية الجهادية فكيف له أن يكون مجتهدا في الحداثة، اختار الهروب عبر طرح النص جملة بعدما كان حشويا يأخذ بظاهره.
كل ما في الأمر أنه يوجد داخل السجن وخارجه وفي بؤر التوتر من كان شيخهم وداعيتهم هو أبو حفص..
سيقول قائل: ولكن الرجل قام بمراجعات..أي مراجعات؟ لم يكن له مشروعا سابقا حتى يراجعه، وإنما هي مراجعات طبقا لمبدأ “الصفق بالأسواق” و”التعاقدات الجديدة”، ولهذا يشن عليه أتباعه السابقون اليوم حربا لا هوادة فيها لأن شيخهم الذي ورطهم هرب وتركهم..فلا يلعبن أبو حفض دور الضحية، لأن ضحاياه كثيرون..هم اليوم من يوجد داخل السجن، ومنهم من خرج من السجن بأعطاب نفسية كثيرة ومنهم من يوجد حاليا ببؤر التوتر في سوريا والعراق وليبيا، وعندما يٌفتح باب العائدين من سوريا سيكتشف المدافعون عن أبي حفص كم من ضحية تسبب فيها هذا الرجل وأنه الآن يفر بجلده ويبحث عن خلاصه الفردي، لكن يحاول إلباسه جلباب التنوير الديني.
غدا أفتح قوسا آخر للحديث عن ضحايا آخرين منسيين..إنهم ضحايا 16 ماي وهو متهم بالتحريض والوقوف وراء الجريمة، وخروجه في سياق معين من السجن لا يعني أنه بريء..
إذن ثوب الضحية لا يليق بأبي حفص، وهو إزار واسع لن يغطي على الجريمة..هذا التلبيس باسم التنوير والحداثة تبعا للشيخ عصيد لن تجدي نفعا…
إن هذا التدليس والإنشاء لن ينطلي سوى على من لا زالوا لا يدركون سر اللعبة.. لن يقنع سلفيا حقيقيا أن يقلع عن سلفيته ولن يعلم حداثيا معنى الحداثة…انه في مرحلة تعلم أبجديات الرقص على العصيديات…لا يمكن لهذا الإنشاء الفج أن يقدم شيئا في بيئة قيل عن الحداثة كل شيء وهو في الحقيقة وصل متأخرا ولا يعرف من أين يبدأ قصة الحداثة بشروط التفكير الحقيقي وليس التكفير المقنع….
فمن ينتقد أبا حفص ويعتبرهم هو خصومه ثلاثة أصناف:
القسم الأول الذين اعتبروه خائنا تركهم وذهب في صفقات بمفرده دون أن يتقاسم معهم الكعكة.
والقسم الثاني من اعتبره من غير مراجعات ولكن متسلقا ويزايد عليهم بعد أن كان جزء من شبكة التكفير ولا زالت آثار تحريضه في ملفات مستجدة لدى ضحاياه.
والقسم الثالث لا هم سلفيون يبكون على الكعكة ولا هم سلفيون يستفزهم ليكفروه ويجعل منهم وسيلة لمحو آثاره التكفيرية ولو بالتحلل حتى من أبسط المعلوم من الدين بالضرورة، بل هم من المتابعين لهذا التدليس منذ سنوات والذين ينتقدون صناعة الرداءة والنصب والاحتيال الثقافي وتوزيع الصفات المحترمة على حاطبي الليل.
دون بكائيات المظلوم ما على أبي حفص سوى أن يحدثنا عن ضحاياه..وأن يبكي ليل نهار عن أناس حرضهم على العنف بنفس التدليس الذي يمارسه اليوم باسم التسامح والحداثة التي يقلد فيها عصيد تقليدا حتى في الحركات والضحكات…
كيف يضحك وضحاياه تقطعت بهم الأسباب وبعضهم قضى في أماكن النزاع، ومنهم تلميذه أنس الحلوي، الناطق الرسمي سابقا باسم اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين، وحتى حين خرج يبحث عن مهرب كان لا زال يحضر لقاءات التحريض في عدد من الدول التي كانت تقوم بالتحريض والدعوة لإرسال المجندين إلى سوريا.
المتاجرة بالعبارات واستغلال عواطف الرأي العام بتغيير الأفكار والشكل يؤكد أننا بسطاء سواء في تلقي خطاب السلفية أو خطاب الحداثة..بينما خطاب الحداثة ليس خطاب إنشاء واستعطاف وخداع بل هو خطاب معاناة وصدق وجدية وأمانة ..هو خطاب عقلاني ليس فيه مزايدة أو مخادعة…باختصار: أبو حفص يخدع جمهورا بسيطا وطيبا وهو مستعد أن يبيع كل شيء من أجل الصفق بالأسواق….أما من يصفق له ممن يغيب عنهم الوجه الآخر الحقيقي فلن يرحمهم إذا ظهرت له المصلحة في أن يغير اللوك، فحتى الأمس القريب كان هناك ضحايا صفقوا له وبعد أن حرضهم على الإرهاب وخرب حياتهم هرب وتركهم وتبرأ منهم…وهم الذين يرشقونه اليوم بالعبارات المعروفة التي كان ينتظر مني أن أقع فيها…على من تضحك يا أبا قيس…
