أحداث سبتة عنوان المؤامرة.

الفقر والبطالة واتساع الفوارق الاجتماعية وضعف فرص الإدماج المهني تمثل بلا شك عوامل تدفع أعدادًا متزايدة من الشباب إلى التفكير في الهجرة، لكنها لا تفسر وحدها كيف تتحول هذه الرغبة الفردية إلى موجة جماعية يشارك فيها آلاف الأشخاص خلال فترة زمنية قصيرة. ولو كانت العوامل الاقتصادية وحدها كافية لتفسير هذا التحول، لتكررت الظاهرة بالحدة نفسها كلما ارتفعت معدلات البطالة أو تراجعت القدرة الشرائية، وهو ما لا تؤيده الوقائع الميدانية.

استنادا إلى ما تداولته وسائل إعلام إسبانية بشأن تقرير أعدته أجهزة استخباراتية عقب الأحداث، خلص إلى أن الرسائل المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي كانت أحد أهم العوامل التي حفزت آلاف الشباب المغاربة، إلى جانب جزائريين وتونسيين ويمنيين ومهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء جميعهم كانوا على أرض المغرب، على التوجه نحو سبتة بعد أن ترسخ لديهم الاعتقاد بأن فرصة استثنائية أصبحت متاحة للوصول إلى المدينة. وأشار التقرير، إلى أن عملية الرصد شملت نشاط حسابات انطلقت من الجزائر وتونس وفرنسا والولايات المتحدة، إلى جانب حسابات مغربية خلال الفترة الممتدة من يونيو إلى بداية غشت 2026 (حيث رصد 11 مليون تفاعل حول مواضيع الهجرة إلى سبتة)، وتتبعت المحتويات المتداولة عبر منصات “تيك توك” و”فيسبوك” و”إنستغرام” و”إكس”، فضلاً عن مجموعات متعددة على “واتساب”، مما أتاح إعادة بناء مسارات انتشار الرسائل والوقوف على كيفية انتقالها بين الحسابات المختلفة. ولم يقتصر نشاط تلك الحسابات على نشر التأويلات القانونية المضللة للحكم الذي أصدرته المحكمة العليا الإسبانية بشأن إجراءات التعامل مع بعض حالات الدخول غير النظامي، بل وصل إلى توفير معلومات لوجستية دقيقة تحدد أماكن بيع بدلات الغوص والزعانف ونظارات السباحة والعوامات، بل وحتى الأكياس المقاومة للماء المخصصة لحفظ الوثائق والهواتف أثناء السباحة. وهذا المستوى من التفاصيل لا يعكس مجرد تبادل للنصائح، بل يشير إلى عملية تعبئة هدفت إلى تهيئة المشاركين نفسيا ولوجستيا لخوض محاولة العبور. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تكن مجرد ناقل للمعلومة، وإنما تحولت إلى فاعل مؤثر في صناعة الحدث، عبر إعادة إنتاج مضمون قانوني بصورة مجتزأة، ثم ربطه برسائل تحفيزية خلقت لدى آلاف الأشخاص قناعة بأن فرصة استثنائية قد أصبحت متاحة.

كل هذه المعطيات تؤكد وجود مؤامرة خارجية لأعداء الوحدة الترابية للمغرب، وخاصة النظام الجزائري، تستهدف أمن المغرب واستقراره. وهي ليست المرة الأولى، إذ سبقتها مؤامرات أخرى أبرزها تلك التي كشفت عنها منصة  X لما فعّلت خاصية “بلد الحساب ” Country Labelحيث تبين أن غالبية تلك الحسابات تديرها جهات من داخل الجزائر. ويتأكد اليوم تورط نظام الكابرانات في أحداث سبتة عبر توظيف الخوارزميات في حشد الشباب كالقطيع وتوجيه سلوكهم ضد المصالح العليا لوطنهم، مستعينا بأحدث النظريات في سيكولوجية الحشود الرقمية.

إن ما وقع في أحداث سبتة لا يمكن اختزاله في تداول معلومات حول وضعية الحدود، بل يتعلق ببناء رواية جماعية مفادها أن “نافذة استثنائية” قد فُتحت أمام الراغبين في الهجرة. ومع تكرار هذه الرواية عبر آلاف الحسابات، تتحول من مجرد خبر إلى قناعة اجتماعية، ثم إلى دافع عملي يدفع أعدادًا متزايدة من الشباب إلى التحرك، حتى قبل التحقق من صحة المعلومات المتداولة.

ومن هنا تتولد ظاهرة العدوى الاجتماعية الرقمية، حيث لا ينتقل السلوك بين الأفراد نتيجة وجود قيادة مركزية أو تنظيم محكم، بل بفعل التفاعل المتراكم بين آلاف الرسائل والصور ومقاطع الفيديو التي تخلق انطباعًا عامًا بأن الجميع يتجه نحو الخيار نفسه. وعندما يشاهد الفرد باستمرار صورًا لمجموعات كبيرة تتحرك نحو الحدود، أو مقاطع توحي بأن الوصول إلى الضفة الأخرى أصبح ممكنًا، فإنه لا يتعامل معها بوصفها معلومات مجردة، بل بوصفها مؤشرًا على أن الآخرين سبقوه إلى اغتنام فرصة قد لا تتكرر. وهذا حال أسر جاءت إلى مدن الفنيدق والمضيق ومارتيل للاصطياف وما أن رأت الجموع البشرية مندفعة نحو بوابة سبتة حتى هرولت خلفها دون قرار مسبق للهجرة. ويفسر علم النفس الاجتماعي هذه الآلية من خلال مفهوم “الخوف من ضياع الفرصة” (Fear of Missing Out)، الذي يدفع الإنسان إلى اتخاذ قرارات سريعة خشية أن يفوته ما يعتقد أنه فرصة استثنائية.

 وهذا ما ذهب إليه غابرييل تارد كذلك في نظريته حول التقليد الاجتماعي، إذ اعتبر أن الأفكار والسلوكيات تنتشر داخل المجتمع بطريقة تشبه انتشار العدوى، حيث يميل الأفراد إلى تقليد ما يشاهدونه لدى الآخرين، خصوصًا عندما يصدر عن عدد كبير من الأشخاص أو يكتسب حضورًا واسعًا داخل المجال العام. وإذا كان تارد قد صاغ نظريته في نهاية القرن التاسع عشر اعتمادًا على الصحافة والاتصال المباشر، فإن البيئة الرقمية ضاعفت سرعة هذا التقليد بصورة غير مسبوقة، إذ أصبحت الرسالة الواحدة قادرة على الوصول إلى مئات الآلاف من المتلقين خلال ساعات قليلة، بينما تتيح الخوارزميات إعادة إنتاجها بصورة مستمرة، بما يمنحها مظهر الحقيقة حتى عندما تفتقر إلى أي أساس واقعي. وهذا ما يفسر أن الحشد الرقمي يسبق الحشد الميداني، والانفعال الجماعي يتكون افتراضيًا قبل أن يتحول إلى حركة جماعية على الأرض. وهذا ما يجعل مشاركة الأطفال والقاصرين في الأحداث مؤشرا إضافيا إلى أن الدافع لم يكن اقتصاديًا صرفًا. فالطفل لا يمتلك، في الغالب، القدرة على تقييم المخاطر القانونية أو الأمنية، وإنما يتأثر بالصور المتداولة وبالمشاعر الجماعية السائدة أكثر من تأثره بالحسابات العقلانية.

جدير بالتأكيد أن تفسير أحداث سبتة من خلال تحليل البيئة الرقمية وحدها لا يكفي، لأن الرسائل المضللة لا تؤثر بالدرجة نفسها في جميع الفئات الاجتماعية. فهي تحتاج إلى بيئة تستقبلها وتمنحها قابلية الانتشار، وهذه البيئة تتمثل في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها جزء مهم من الشباب. ومن ثم، فإن المنصات الرقمية لا تخلق الرغبة في الهجرة من العدم، وإنما تستثمر استعدادًا نفسيًا واجتماعيًا سبق أن أفرزته اختلالات بنيوية تتعلق بالشغل والدخل وآفاق الاندماج الاجتماعي.

وهذا ما تؤكده المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط من أن المغرب، رغم ما حققه من تطور في البنيات التحتية والاستثمارات الكبرى، ما يزال يواجه تحديات حقيقية في سوق الشغل، خاصة بالنسبة إلى الشباب. فقد بلغ معدل البطالة نحو 13 في المائة، بينما تجاوز 37 في المائة لدى الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة، كما ارتفع بين حاملي الشهادات والنساء، في حين يوجد ما يقارب ثلاثة ملايين شاب خارج سوق العمل ومنظومة التعليم والتكوين. ولا تعني هذه المؤشرات أن البطالة تقود بصورة آلية إلى الهجرة غير النظامية، لكنها تكشف عن وجود قاعدة اجتماعية واسعة يسهل أن تتأثر بأي خطاب يعد بالخروج السريع من أوضاع الهشاشة. إلا أن قرار الهجرة لا تحكمه المؤشرات الاقتصادية فقط، بل يتأثر أيضاً بالتطلعات الفردية، والمقارنات الاجتماعية، والصورة الذهنية التي يصنعها الفضاء الرقمي عن الحياة في الخارج. فقد تداولت مواقع التواصل الاجتماعي صورة معبرة لبائع متجول يحمل في يديه قفتين مليئتين ببعض المواد الغذائية يسير في الاتجاه المعاكس للحشود المندفعة نحو بوابة سبتة دون أن يرمي ما بيديه ويجري وراءهم كما فعل الكثيرون بسياراتهم ودراجاتهم النارية التي ألقوا بها على قارعة الطريق رغبة في اقتناص آخر “فرصة استثنائية”.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن لأي سياسة عمومية أن تحقق نتائج مستدامة إذا أغفلت معالجة الأسباب البنيوية التي تغذي الشعور بانسداد الأفق لدى فئات واسعة من الشباب. فالتنمية الاقتصادية، وخلق فرص الشغل، وتحسين جودة التعليم والتكوين، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، كلها عناصر تضعف البيئة التي تستقبل الخطابات المضللة، وتحد من قابليتها للتأثير. فكلما ازدادت ثقة الشباب في إمكانية بناء مستقبلهم داخل وطنهم، تراجعت قدرة الأخبار الزائفة على استقطابهم. وهذا ما شدد عليه جلالة الملك في خطاب العرش 2026 من وجوب “أن تسود روح الثقة والتفاؤل، على خطابات اليأس والإحباط”، و “ضرورة التنزيل الفعال، لبرامج التنمية الترابية المندمجة، التي نحرص على أن تشمل كل المناطق والجهات، دون استثناء”. فمسؤولية الحكومات ثابتة سواء في عجزها عن توفير الخدمات الاجتماعية لكافة المواطنات والمواطنين بما يضمن كرامتهم، أو في حمايتهم من الهجمات الرقمية بإدماج التربية الإعلامية والرقمية ضمن السياسات التعليمية، حتى يكتسب الناشئة مهارات التحقق من المعلومات، وفهم آليات عمل الخوارزميات، والتمييز بين المحتوى الموثوق والدعاية الرقمية. كما تتحمل وسائل الإعلام المدعومة من المال العام، مسؤولية الانتقال من منطق الإثارة والسبق الإخباري إلى منطق التفسير والتحليل، لأن التغطيات التي تركز على المشاهد المثيرة دون تقديم سياقها القانوني والاجتماعي قد تسهم، من حيث لا تقصد، في تعزيز العدوى الاجتماعية وإغراء آخرين بتكرار التجربة. فالأمن الإعلامي بُعد أساسي من أبعاد الأمن العام، لمسؤوليته في ترسيخ الوعي المجتمعي وحفظه من التلاعب وحملات التضليل والتشويه، وتوفير محتوى إعلامي مسؤول يحترم الحقيقة والقيم الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *