أزمة البرمجة في المهرجانات المغربية.. من يفتح الباب أمام الفنانين ؟

الوطن 24/ بقلم: مفيد السباعي *
مع انطلاق الموسم الصيفي للمهرجانات الفنية في المغرب، يعود إلى الواجهة من جديد نقاش أصبح يتكرر كل سنة، ويتعلق أساساً بطريقة تدبير البرمجة الفنية ومعايير اختيار الفنانين المشاركين. فبينما تتصدر أسماء محددة المشهد في عدد من المهرجانات، يجد العديد من الفنانين والمواهب أنفسهم خارج دائرة البرمجة، رغم ما يقدمونه من أعمال وإنتاجات جديدة تستحق الوصول إلى الجمهور.
وفي هذا السياق، لا يتعلق الأمر بالاعتراض على مشاركة الفنانين المعروفين أو التقليل من قيمتهم الفنية، فكل فنان نجح في بناء اسمه يستحق التقدير والاحترام، وإنما يتعلق الأمر بضرورة تحقيق قدر أكبر من التنوع في البرمجة، وفتح المجال أمام أسماء وتجارب جديدة قادرة على إثراء المشهد الفني المغربي.
ومن جهة أخرى، فإن تكرار الأسماء نفسها في عدد من المهرجانات بدأ يطرح تساؤلات حقيقية حول مدى قدرة هذه التظاهرات على تقديم صورة تعكس غنى وتنوع الساحة الفنية الوطنية. فهناك عشرات الفنانين الذين يشتغلون طوال السنة على إنتاج أعمال جديدة، ويطورون مشاريعهم الفنية، غير أن جزءاً كبيراً منهم لا يجد الفرصة للوصول إلى المنصات الكبرى، وهو ما يجعل المواهب الجديدة تواجه صعوبة في إثبات حضورها أمام جمهور واسع.
وفي المقابل، فإن الجمهور المغربي، المعروف بذوقه وانفتاحه على مختلف الألوان الموسيقية، يستحق بدوره برمجة أكثر تنوعاً وتجديداً. فحين تصبح أسماء المشاركين متوقعة قبل الإعلان الرسمي عن البرنامج، يفقد المهرجان جزءاً من عنصر المفاجأة والاكتشاف، بينما يفترض أن تكون هذه التظاهرات فضاءً لاكتشاف أصوات وتجارب جديدة، إلى جانب الاحتفاء بالأسماء الراسخة.
غير أن الإشكال لا يقف عند حدود تكرار الأسماء، بل يمتد أيضاً إلى غياب قنوات واضحة ومعلنة للتواصل بين الفنانين والجهات المنظمة. ففي عدد من الحالات، لا يجد الفنان أو مدير أعماله منصة رسمية لتقديم مشروعه أو ملفه الفني، كما لا تكون دائماً هناك معايير واضحة ومعلنة تحدد كيفية اختيار المشاركين أو آجال تقديم الترشيحات.
وبالتالي، يجد العديد من الفنانين أنفسهم أمام وضعية غير واضحة، إذ قد يتواصل أحدهم مع جهة منظمة في وقت مبكر فيُخبر بأن البرمجة اكتملت، بينما يجد فنان آخر فرصة للمشاركة في وقت لاحق. كما تظل مسألة تحديد الأجور، في بعض الحالات، موضوعاً يثير تساؤلات لدى المهنيين، خصوصاً عندما تكون الفوارق كبيرة دون أن تكون المعايير المعتمدة واضحة بما يكفي.
ومن هذا المنطلق، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى اعتماد مقاربة جديدة في تدبير البرمجة الفنية، تقوم على الوضوح والإنصاف والتنوع. ويمكن، في هذا الإطار، التفكير في إحداث لجان فنية متخصصة ومستقلة داخل المهرجانات، تضم مهنيين وخبراء في المجال، وتعمل وفق معايير معلنة توازن بين حضور الفنانين المعروفين، ودعم المواهب الصاعدة، والحفاظ على التنوع الثقافي والموسيقي المغربي.
كما يمكن، في السياق ذاته، التفكير في إحداث منصة وطنية رقمية موحدة تتيح للفنانين ومديري أعمالهم تقديم ملفاتهم وترشيحاتهم بشكل رسمي، مع تحديد آجال واضحة وشروط معلنة للاختيار، بما يضمن تكافؤ الفرص ويمنح الفنانين إمكانية الوصول إلى الجهات المنظمة بعيداً عن البحث عن رقم هاتف لا يجيب أو عن وسيط قد لا يكون متاحاً للجميع.
إضافة إلى ذلك، فإن دعم الفنانين الجهويين والمحليين ينبغي أن يحظى بمكانة أكبر في البرمجة، لأن المهرجان الذي ينظم في مدينة أو جهة معينة يمكن أن يكون مناسبة للتعريف بالمواهب الموجودة فيها، وإبراز الخصوصيات الثقافية والفنية المحلية، إلى جانب استضافة الأسماء الوطنية والدولية.
ومع ذلك، لا يمكن تحميل المنظمين وحدهم مسؤولية كل الاختلالات التي يعرفها المشهد، لأن جزءاً من المسؤولية يقع أيضاً على الفنانين أنفسهم. فهناك، للأسف، من يقبل بالتنازل عن قيمة عمله مقابل فرصة قصيرة للظهور، أو يعرض تقديم فقرته بشكل مجاني فقط من أجل الصعود إلى خشبة مهرجان، ولو لدقائق معدودة.
وفي السياق نفسه، هناك من يقبل بأن يكون مجرد “سد خانة” في برنامج فني، في وقت يكون فيه الجمهور لا يزال في طريقه إلى مكان العرض، أو يحاول التخلي عن هويته الفنية وتقليد فنان آخر لمجرد أنه أكثر حضوراً في السوق. غير أن الفنان الذي لا يحترم قيمة عمله، قد يجد صعوبة في إقناع الآخرين باحترامه.
والأخطر من ذلك، هو ما يمكن وصفه بـ”النفاق الفني”، حين تتحول الصداقة بين بعض الفنانين إلى مجرد صورة للاستهلاك على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما يتحول التنافس المهني خلف الكواليس إلى محاولات لإقصاء الآخرين أو التقليل من قيمتهم الفنية. فقد نجد فنانين يتبادلون الصور ويظهرون أمام الجمهور كأصدقاء، لكن عندما يتعلق الأمر ببرمجة مهرجان أو فرصة فنية، قد يتحول بعضهم إلى منافسين يسعون إلى إبعاد زملائهم بأي طريقة.
وبطبيعة الحال، فإن التنافس بين الفنانين أمر طبيعي ومشروع، بل هو عنصر أساسي في تطوير الإبداع، لكن المنافسة الحقيقية يجب أن تقوم على جودة العمل والموهبة والاستحقاق، لا على الإقصاء أو التشويه أو ضرب الآخرين من الخلف. فالفنان الحقيقي يثبت نفسه بما يقدمه من إبداع، وليس بما يقوله عن منافسيه.
وفي نهاية المطاف، فإن أزمة البرمجة في المهرجانات المغربية لا يمكن اختزالها في الفنان وحده، كما لا يمكن تحميل المنظم وحده كل المسؤولية، لأن الأمر يرتبط بمنظومة كاملة تحتاج إلى مزيد من التنظيم والوضوح والحكامة. فالمغرب غني بالمواهب والأصوات والألوان الموسيقية، وما ينقصنا هو توفير آليات أكثر عدلاً ووضوحاً تضمن وصول هذه الطاقات إلى الجمهور.
ولذلك، فإن إصلاح واقع البرمجة لا يعني إقصاء الفنانين المعروفين، وإنما يعني توسيع دائرة المشاركة، وخلق التوازن بين النجومية والتجديد، وبين الأسماء الراسخة والمواهب الصاعدة، حتى تصبح المهرجانات فضاءً حقيقياً للاحتفاء بالتنوع والإبداع.
وفي الأخير، يجب أن نتذكر أن الخشبة ليست هدفاً في حد ذاتها، بل إن القيمة الحقيقية تكمن في الطريقة التي يصعد بها الفنان إليها، وفي ما يقدمه للجمهور من إبداع يحافظ من خلاله على اسمه وكرامته ومكانته. فالمهرجان قد ينتهي بعد أيام، والعرض قد لا يتجاوز دقائق أو ساعة، لكن سمعة الفنان وكلمته داخل الوسط الفني قد تستمر لسنوات.
إن الرزق بيد الله، وليس بيد فلان أو غيره، ومن يريد أن يبني مسيرة فنية حقيقية، فعليه أن يبنيها بالعمل والإبداع والاستحقاق، لا بالنفاق أو المجاملة أو إقصاء الآخرين. فالفن، في نهاية المطاف، كرامة قبل أن يكون شهرة، وإبداع قبل أن يكون حضوراً، ورسالة قبل أن يكون مجرد صعود إلى خشبة
*مدير أعمال، منتج فني
