المغرب… الحوت الكبير يشنّ حرب الإبادة المهنية على الإعلام المستقل

لا تزال فئة واسعة من العاملين في القطاع الإعلامي بالمغرب تنظر إلى ما يجري داخل المشهد الصحافي على أنه مجرد نقاش حول البطائق المهنية، وشروط الدعم العمومي، وبعض التفاصيل التنظيمية والإدارية. غير أن الصورة الحقيقية تبدو أعمق وأخطر بكثير. فالمعركة اليوم ليست صراعاً تقنياً حول المساطر، بل معركة وجود تهدد بقاء المقاولات الإعلامية المتوسطة والصغرى في مواجهة نفوذ “الحوت الكبير”.

فالقوانين الجديدة، وفي مقدمتها قانون المجلس الوطني للصحافة رقم 25-26، صيغت — وفق عدد من المتتبعين — على مقاس الناشرين الكبار لضمان استمرار هيمنتهم على سوق الإعلام المغربي، وإقصاء المؤسسات الصغيرة التي تشكل مصدر إزعاج للمصالح الكبرى.

البداية كانت مع إعادة فحص الدبلومات وشواهد البكالوريا للحاصلين على البطائق المهنية. خطوة تبدو في ظاهرها تنظيمية، لكنها تحولت عملياً إلى أداة لإغلاق مواقع ومقاولات إعلامية عديدة، خصوصاً تلك التي بنيت على جهود ذاتية وتعتمد على خبرة صاحبها أكثر من اعتمادها على مسار أكاديمي رسمي. فإعادة التدقيق قد تضع عدداً من العاملين في مواجهة المتابعة أو سحب البطاقة، ما يعني نهاية المشروع الإعلامي بالكامل.

ثم جاء شرط إلزامية مدير النشر بالعمل في مقاولة واحدة فقط، وهو بند يضرب في العمق كل المواقع الصغيرة التي تعتمد على تعدد المهام لتستمر. هذا الشرط وحده كفيل بدفع عشرات المقاولات نحو الإغلاق التلقائي، خصوصاً أن أغلبها لا يملك قدرة مالية لتوظيف طاقم إداري كامل.

وتزداد الضغوط مع الجانب المالي، حيث تتحول الضرائب، وأرقام المعاملات، والضمان الاجتماعي إلى عبء خانق يسحب ما تبقى من قدرة هذه المؤسسات على الصمود، خاصة في ظل غياب موارد إعلانية عادلة وشفافة.

وحتى إن تمكنت المقاولات الصغيرة من تجاوز كل هذه العراقيل، فإن مصيرها قد يُحسم داخل لجنة الأخلاقيات أو لجنة التحكيم، إذ يمكن لأي قرار تصدره هذه الهيئات أن يضع حداً لنشاط المقاولة، بما يجعل اللعبة غير متوازنة بين فاعلين كبار يمتلكون أدوات النفوذ والتأثير، وآخرين يكافحون للبقاء.

إن ما يحدث، وفق قراءة العديد من المهنيين، ليس إصلاحاً بقدر ما هو إعادة هندسة للمشهد الإعلامي المغربي، حيث يُفسَح المجال لمجموعات قليلة كي تسيطر على القطاع، بينما يُدفع الآخرون نحو الهامش أو خارج الساحة نهائياً. إنها عملية “ابتلاع” واضحة، يشن فيها “الحوت الكبير” حرباً صامتة لكنها فعالة ضد تنوع الرأي وحرية المبادرة الإعلامية.

وإذا لم يتم فتح نقاش وطني صريح حول مستقبل الإعلام، فإن المغرب قد يجد نفسه أمام مشهد إعلامي موحد اللون والصوت، يخلو من التعددية التي تشكل جوهر أي ديمقراطية حقيقية. والخاسر الأكبر حينها لن يكون الصحافيون فقط… بل المجتمع برمته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *