المغرب.. حين يفقد الخطاب الوزاري وقاره: بين غياب اللغة الراقية وحضور صراع مفتوح داخل البرلمان

الوطن24/ خاص
لم يعد مستساغًا في المغرب أن يتحول الوزير، وهو المكلف دستوريًا بتصريف السياسات العمومية واحترام هيبة المؤسسة الحكومية، إلى طرف دائم في الخصومات والصراعات داخل البرلمان. أصبح من المعيب أن يحشر مسؤول حكومي نفسه في كل نقاش، ويفتح جبهات متعددة مع النواب والهيئات السياسية، بدل التركيز على جوهر مهامه التشريعية والتنفيذية.
• لغة منحطة داخل مؤسسة يفترض أنها نموذج للسياسة الرصينة
من المعيب أيضًا أن يحشر وزير نفسه في كل شيء ويفتح صراعًا مع الجميع، دون أن ينقِّح لغته من الكلام النابي واللغة العارية، ليفتقد بذلك أسلوب الإقناع ويعوّضه بقبح الكلام ووقاحة الألفاظ. هذا سلوك لا يليق بمقام وزير من الواجب عليه، من موقع المسؤولية الحكومية، أن يلتزم بأرقى مراتب الخلق والأدب والحياء، وأن يتسع صدره لتقبّل النقد والجواب على كل الأسئلة التي يطرحها النواب، إذ يقتضي الواجب والقانون والمسؤولية الانضباط لقواعد المساءلة وفق الأسس القانونية المعمول بها في جميع برلمانات العالم.
هذه اللغة الخشنة التي تنحدر إلى مستوى غير مسبوق داخل المؤسسة التشريعية تعكس أزمة في العمق، أزمة تبدأ من طريقة تمثل الوزير لموقعه، ولطبيعة النقاش داخل البرلمان، ولحدود السلطة التي يتولاها.
• الوزير ودور المسؤولية… أين هيبة الموقع؟
الموقع الوزاري في المغرب ليس منصبًا إداريًا فقط، بل هو مقام أخلاقي قبل كل شيء. الوزير مطالب قانونيًا وأخلاقيًا بأن يكون نموذجًا في الخطاب والسلوك، وأن يتسع صدره لتقبّل النقد، لأن المساءلة جزء أساسي من البناء الديمقراطي.
لكن ما نراه اليوم هو العكس تمامًا:
ردود متشنجة، غضب مفاجئ، انزلاقات لغوية، ومحاولات لفرض الهيمنة الكلامية بدل تقديم جواب مسؤول.
• البرلمان المغربي… فضاء للمساءلة لا للصراع الشخصي
النقاش تحت القبة التشريعية له قواعد وأعراف تُحترم في كل دول العالم. النواب يطرحون الأسئلة نيابة عن المواطنين، والوزير مطالب بالإجابة وفق القانون. هذه هي القاعدة البسيطة التي تنظّم العلاقة بين السلط.
غير أن السلوكيات التي تعتمد على الهجوم اللغوي، واعتبار أي سؤال استفزازًا، تجرّ البرلمان إلى مربّع الصراع الشخصي بدل النقاش العمومي. وفي كل مرة يفقد الوزير توازنه، تتضرر صورة المؤسسة التنفيذية وتُضرب مصداقية الحكومة أمام الرأي العام الذي لم يعد يقبل رؤية المسؤولين يستخدمون لغة الشارع في مؤسسة تُعد من أرقى مؤسسات الدولة.
• قراءة سياسية: أزمة خطاب أم أزمة رؤية؟
الانفلات اللغوي ليس حدثًا معزولًا، بل مؤشرًا على أزمة في الرؤية السياسية. حين يغيب الإقناع كأسلوب للتواصل، وتُستبدل الحجّة بالصوت المرتفع والعبارات الجارحة، يصبح الحوار السياسي مهددًا، وتصبح العلاقة بين الحكومة والبرلمان قائمة على التوتر بدل التعاون.
ولا يمكن إغفال الأثر النفسي لمثل هذه السلوكات على صورة الدولة المغربية، داخليًا وخارجيًا. فالدول تُقاس بدرجة نضج مؤسساتها وقدرة مسؤوليها على ممارسة السلطة بأدب واحترافية واتزان.
• في الخلاصة… المغرب يستحق خطابًا أفضل
إن ما يحدث اليوم داخل البرلمان المغربي يعكس حاجة ملحّة إلى استعادة وقار الخطاب السياسي. الوزير، مهما كانت الضغوط، مطالب بأن يكون قدوة، لا طرفًا في الصراعات. ومطالب بأن يرفع مستوى النقاش، لا أن ينحدر به.
فالسلطة ليست امتيازًا، بل مسؤولية ثقيلة، عنوانها الأخلاق، واحترام المؤسسة، والالتزام بقواعد المساءلة.
إن المغرب اليوم بحاجة إلى خطاب حكومي يليق بدولته ومؤسساته ومجتمعه، لا إلى لغة تُشوّه صورة العمل السياسي وتفقده هيبته.
