رؤيـة حقـوقـيـة حـول تـعامل اليسار الحـقوقي مـع مـلف المعتقلين الإسلاميين فـي المغـرب.

الوطن24/ بقلم: الحيداوي عبد الفتاح
يشكل ملف المعتقلين الإسلاميين في المغرب تحديًا بالغ الأهمية في الساحة الحقوقية والسياسية. ورغم أن العديد من المنظمات الحقوقية اليسارية تركز على قضايا الحريات الفردية والجماعية، إلا أن تعاملها مع المعتقلين الإسلاميين يثير الكثير من الجدل. يتخوف اليسار الحقوقي من التعامل مع هذا الملف، بسبب التناقض الأيديولوجي العميق مع التيارات الإسلامية التي ترتبط بأفكار محافظة تختلف عن المواقف التقدمية لليسار.
بعد أحداث 16 مايو 2003 في الدار البيضاء، شنت الدولة حملة واسعة ضد المشتبه في انتمائهم للجماعات السلفية ، مما أدى إلى اعتقال العديد من الإسلاميين الذين وُضعوا ضمن خانة “المعتقلين الإرهابيين”. ورغم اختلاف أسباب الاعتقال ومبرراته، فإن السنوات التي تلت الإفراج عنهم أو انتهاء محكومياتهم أظهرت أن هناك تجاهلًا واضحًا لإعادة إدماجهم في المجتمع، وهو ما يمثل انتهاكًا لحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.
إلا أن ما يزيد الوضع تعقيدًا هو الموقف المتوجس الذي تتبناه بعض المنظمات الحقوقية اليسارية تجاه هؤلاء المعتقلين، حيث تتردد في الدفاع عن حقوقهم بشكل متساوٍ مع غيرهم من ضحايا الانتهاكات. هذا التوجس ينبع من التباين الأيديولوجي العميق بين الجانبين.
تستند الأيديولوجية اليسارية في جوهرها إلى القيم التقدمية مثل المساواة، الحرية، العدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان. هذه المبادئ، رغم كونها شاملة، تجد نفسها في بعض الأحيان متعارضة مع الفكر الإسلامي المحافظ، الذي يتبناه العديد من المعتقلين الإسلاميين. المخاوف اليسارية يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- تناقض القيم والمبادئ:
يرى اليساريون أن الإسلاميين، خاصة الذين سبق واعتنقوا أفكارًا متشددة، يمثلون تهديدًا للمكتسبات التي حققتها الحركات التقدمية في مجالات الحريات الفردية، حقوق المرأة، وحرية التعبير. لذا، فإن الدفاع عن حقوقهم قد يعتبره البعض تنازلًا عن هذه المكتسبات. - الهاجس الأيديولوجي:
يُعتبر الإسلام السياسي، من وجهة نظر اليسار، مشروعًا يسعى لفرض رؤية دينية على الدولة والمجتمع، وهو ما يتعارض مع الدولة المدنية التي يسعى إليها اليساريون. هذا التوجس يجعل العديد من المنظمات اليسارية تتجنب الانخراط بعمق في ملفات المعتقلين الإسلاميين خوفًا من دعم أجندات دينية. - الخطاب الأمني وتأثيره:
تأثرت بعض المنظمات الحقوقية اليسارية بالخطاب الأمني الذي يربط بين الإسلاميين والتطرف والإرهاب. هذا الخطاب يُسهم في إضعاف التضامن مع المعتقلين الإسلاميين ويخلق حالة من التجنب خوفًا من التعرض لانتقادات داخلية أو اتهامات بدعم الإرهاب. - التاريخ المشترك بين اليسار والإسلاميين:
اليسار المغربي خاض في الماضي مواجهات أيديولوجية وسياسية مع التيارات الإسلامية. هذه المواجهات خلقت نوعًا من التوتر المتبادل بين الجانبين، ما يجعل من الصعب تجاوز الخلافات التاريخية والانخراط في الدفاع عن حقوق المعتقلين الإسلاميين.
في الوقت الذي تدافع فيه المنظمات اليسارية عن حقوق الإنسان بشكل عام، يبدو أن هناك تحفّظًا ملحوظًا عندما يتعلق الأمر بملف المعتقلين الإسلاميين. هذا التحفظ نابع من الاعتبارات الأيديولوجية التي ذكرت سابقًا. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن بعض المنظمات اليسارية تقدمية لم تتردد في الدفاع عن المعتقلين الإسلاميين كجزء من التزامها بمبادئ حقوق الإنسان العالمية.
مخاطر هذا التحفظ:
- انتهاك مبدأ عالمية حقوق الإنسان:
الدفاع عن حقوق الإنسان يجب أن يكون شاملًا وغير مشروط. وعندما تتردد المنظمات اليسارية في التعامل مع ملف المعتقلين الإسلاميين، فإنها تساهم في تمييز حقوقي بين الضحايا بناءً على خلفياتهم الأيديولوجية، مما يقوّض مبادئ حقوق الإنسان كقيمة عالمية. - تعميق الاستقطاب الأيديولوجي:
إقصاء المعتقلين الإسلاميين من دائرة الدفاع الحقوقي يزيد من حالة الاستقطاب بين التيارات اليسارية والإسلامية. هذا الاستقطاب يضعف القدرة على خلق توافق وطني حول مبادئ الحقوق والحريات، ويعزز الانقسامات داخل المجتمع المغربي. - استغلال الدولة لهذه التخوفات:
يُمكن أن تستغل الدولة هذا التردد لتعزيز سياساتها الأمنية تجاه الإسلاميين، دون أن تواجه ضغوطًا كافية من المجتمع الحقوقي. هذا يعني استمرار انتهاكات حقوق الإنسان بحق المعتقلين الإسلاميين دون وجود آليات حقيقية للمساءلة.
التوصيات:
- إعادة النظر في المواقف الأيديولوجية:
يجب على المنظمات اليسارية الحقوقية أن تعيد النظر في مواقفها تجاه ملف المعتقلين الإسلاميين، وأن تسعى إلى فصل العمل الحقوقي عن الحسابات الأيديولوجية. حقوق الإنسان لا يمكن أن تكون موضوع مساومة سياسية. - الانخراط في حوار وطني شامل:
الحوار بين التيارات اليسارية والإسلامية حول حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية يمكن أن يساهم في بناء جسور التفاهم وتخفيف حدة التوتر الأيديولوجي. هذا الحوار قد يساعد في توحيد الصفوف في مواجهة انتهاكات الدولة لحقوق الإنسان. - توسيع إطار الدفاع الحقوقي ليشمل جميع المعتقلين:
ينبغي على المنظمات اليسارية أن توسع نطاق عملها ليشمل الدفاع عن جميع المعتقلين، بغض النظر عن خلفياتهم الأيديولوجية أو السياسية. المساواة في الدفاع عن الحقوق هي الأساس لضمان عدالة شاملة.
تحتاج المنظمات الحقوقية اليسارية في المغرب إلى مراجعة مواقفها تجاه ملف المعتقلين الإسلاميين. رغم التباينات الأيديولوجية الواضحة، يجب ألا يكون الدفاع عن حقوق الإنسان مشروطًا بخلفية فكرية أو سياسية. التعامل مع هذا الملف بشكل شامل ومحايد سيعزز من قوة الحركة الحقوقية في البلاد، ويساهم في بناء مجتمع يقوم على مبادئ العدالة والكرامة للجميع.
