رشيد البلغيتي: «الحزب الأغلبي الدائم هو في واقع الأمر وزارة الداخلية».. ومقطع يشعل نقاشاً حول الانتخابات والترحال السياسي في المغرب

أعاد الصحافي المغربي والطالب الباحث في علم الأنثروبولوجيا بجامعة محمد الخامس بالرباط، رشيد البلغيتي ، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في النقاش السياسي المغربي: العلاقة بين الإدارة الترابية والانتخابات، وحدود حضور الدولة في المشهد الحزبي، ثم ظاهرة الترحال السياسي التي يعرفها المشهد المغربي من محطة انتخابية إلى أخرى.

وفي مقطع منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، قدم البلغيتي قراءة نقدية حادة لطبيعة المنافسة السياسية والانتخابية، متوقفاً عند الدور الذي تضطلع به وزارة الداخلية والولاة والعمال في تدبير العملية الانتخابية والإدارة الترابية.

ويقول البلغيتي، في توصيف سياسي لافت، إن هناك ما يسميه «الحزب الأغلبي الدائم» ، قبل أن يضيف: «أنا أظن أن هذا الحزب الأغلبي الدائم هو في واقع الأمر وزارة الداخلية».

«أنا من أشرف على العملية الانتخابية»

يذهب البلغيتي في تحليله إلى أن وزارة الداخلية توجد في موقع مختلف عن باقي الفاعلين السياسيين، باعتبارها الجهة التي تشرف على العملية الانتخابية، وتساهم في إعداد مشاريع القوانين المرتبطة بها، فضلاً عن إشرافها على الإدارة الترابية عبر الولاة والعمال.

وفي صياغة تحمل قدراً كبيراً من النقد السياسي، يقول المتحدث:

««السلام عليكم، أنا من أشرف على العملية الانتخابية. السلام عليكم، أنا من سيأتي بمشاريع القوانين إلى البرلمان. السلام عليكم، إنني أوجه الولاة والعمال…».»

وهي عبارات لا يقدمها البلغيتي باعتبارها وصفاً قانونياً لمهام وزارة الداخلية، وإنما يوظفها في سياق قراءته النقدية لطبيعة العلاقة بين الإدارة الترابية والمنافسة السياسية.

ويطرح المتحدث، في السياق ذاته، مسألة ما يسميه «الاستغلال الانتخابي» للجيل الجديد من البرامج والمشاريع الترابية ، داعياً إلى التساؤل حول حدود الفصل بين العمل الإداري والتنموي وبين التوظيف السياسي أو الانتخابي لهذه المشاريع.

الولاة والعمال و«الحزب الأغلبي الدائم»

يذهب البلغيتي أبعد من ذلك عندما يقول إن الانتخابات في المغرب لديها، حسب تعبيره، «قدرة غريبة على إخفاء الحزب الأغلبي الدائم»، قبل أن يربط هذا التوصيف بالولاة والعمال، قائلاً إنهم يمثلون، في تصوره، الامتداد الجهوي والإقليمي لهذا النفوذ.

ويرى أن الإشكال لا يرتبط فقط بالإدارة، وإنما بطريقة تعاملها المفترضة مع بعض الفاعلين السياسيين المستقلين، الذين يشتغلون في فضاء سياسي مختلف.

ويختصر البلغيتي موقفه بالقول إن:

««سلوكهم وخصومتهم هي خصومة فاعل سياسي حامل لرؤية، ولديه أدوات الدولة وإمكاناتها».»

ومن هنا يصل إلى خلاصته الأكثر إثارة للجدل:

««وأنا أظن أن هذا الحزب الأغلبي الدائم هو في واقع الأمر وزارة الداخلية.»»

من الأحرار إلى «البام».. ومن «البام» إلى الحركة الشعبية؟

لم يتوقف حديث البلغيتي عند الإدارة، بل انتقل إلى ظاهرة أخرى أصبحت حاضرة بقوة في النقاش السياسي المغربي، وهي الترحال السياسي.

ويطرح المتحدث مثالاً عن سياسي يمكن أن ينتقل من حزب التجمع الوطني للأحرار إلى حزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن يعود مرة أخرى أو يتجه نحو حزب آخر، معتبراً أن بعض الفاعلين السياسيين يمتلكون، حسب تعبيره، قدرة استثنائية على قراءة «اتجاه الرياح».

ويقول:

««هؤلاء المعارضون لهم قدرة غريبة على فهم اتجاه الرياح، ثم يحولون أشرعتهم حيثما مالت ريح الدولة».»

وهي العبارة التي يبدو أنها وجدت صدى واسعاً لدى عدد من المتابعين، خصوصاً أولئك الذين يرون أن ظاهرة الانتقال بين الأحزاب لا يمكن فصلها عن موازين القوة السياسية والانتخابية.

المقطع لم يمر دون تفاعل، إذ عبر عدد من المتابعين عن اتفاقهم مع جزء من تشخيص البلغيتي، بينما ذهب آخرون إلى تحميل الأحزاب نفسها مسؤولية جانب كبير من الأزمة.

وكتب أحد المعلقين:

««البلغيتي اسم على مسمى، أبلغ وأفصح عن كل شيء في السياسة العمومية في البلاد».»

وعلق متابع آخر:

««تماماً، الترحال السياسي ترحال في اتجاه رياح الدولة، ملاحظ ذلك، العيب هو ما الداعي للانتخابات؟»»

بينما اعتبر متابع ثالث أن البلغيتي، انطلاقاً من تجربته وقراءته للمشهد، «جعل هذا الأخير ينطق بما تخفيه أدوات الدولة».

وفي تعليق أكثر تفصيلاً، رأى أحد المتابعين أن «التشخيص الدقيق جزء من الحل للإشكالية الانتخابية بالمغرب» ، لكنه شدد في المقابل على أن الحل يحتاج إلى دراسة عميقة للبنية السياسية المغربية التقليدية والمتداخلة مع مفهوم التحديث السياسي.

لم تتجه جميع التعليقات إلى تحميل الدولة وحدها مسؤولية الاختلالات السياسية.

فأحد المتابعين أعلن اتفاقه مع جزء من التشخيص، لكنه انتقد، في المقابل، ما اعتبره ضعفاً في تنظيم الأحزاب اليسارية وشبه اليسارية، وضعف تأطير المنتمين والمتعاطفين معها، إضافة إلى محدودية الانخراطات والتكوين وغياب برامج تنموية مستقبلية كافية.

وعدد المعلق مجالات يرى أنها تحتاج إلى اهتمام أكبر من الأحزاب، من التعليم والصحة والشغل والتغطية الصحية والاجتماعية والعدالة المجالية، إلى الفلاحة والصناعة التقليدية والتنمية القروية، مؤكداً أن «الكلام والخطاب والنقد ليسوا كافين لتغيير الوضع».

وهذا التعليق يفتح زاوية أخرى في النقاش: فحتى لو كانت هناك إشكالات مرتبطة بالإدارة والانتخابات، فإن مسؤولية الأحزاب في تقديم البدائل والبرامج وتأطير المواطنين لا يمكن إسقاطها.

في المقابل، ذهب أحد المتابعين إلى موقف أكثر تشاؤماً، معتبراً أن «الانتخابات ما هي إلا مسرحية لإعطاء صورة ديمقراطية».

لكن هذا الرأي، مثل غيره من التعليقات، يبقى موقفاً شخصياً لصاحبه، ولا يمكن تقديمه باعتباره حقيقة أو توصيفاً محايداً للانتخابات المغربية.

كما ظهرت تعليقات أخرى تربط بين سلوك بعض الكتل الناخبة وبين مستوى الوعي السياسي، فيما دعا أصحابها إلى ضرورة تطوير الوعي السياسي والممارسة الديمقراطية معاً.

بين «ريح الدولة» وحرية القرار الحزبي

أكثر ما يلفت في مقطع رشيد البلغيتي أنه لا يكتفي بانتقاد ظاهرة الترحال السياسي، بل يضعها داخل سؤال أكبر: هل تتحرك بعض النخب السياسية وفق قناعات وبرامج ثابتة، أم وفق قراءة دقيقة لموازين القوة واتجاهات الدولة؟

والترحال السياسي، في حد ذاته، ليس ظاهرة مغربية خالصة، كما أن تغيير الانتماء الحزبي لا يعني بالضرورة غياب القناعة السياسية. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتقال بين الأحزاب قاعدة مرتبطة بالمصلحة الانتخابية أو بالبحث عن موقع أقوى، بدل أن يكون نتيجة اختلاف حقيقي في الرؤى والبرامج.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل المواطن أمام أحزاب تتنافس على أساس البرامج، أم أمام نخب سياسية تتكيف مع موازين القوة؟

أهمية كلام البلغيتي لا تكمن فقط في العبارات القوية التي استخدمها، وإنما في كونه أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة ومتجددة حول طبيعة المنافسة السياسية في المغرب، ودور الإدارة الترابية، وحدود العلاقة بين الدولة والأحزاب، ومستقبل الترحال السياسي.

وفي المقابل، فإن بناء الديمقراطية لا يمكن أن يقوم على تحميل طرف واحد مسؤولية كل الاختلالات. فالدولة مطالبة بضمان الحياد وتكافؤ الفرص واحترام القانون، والأحزاب مطالبة ببناء تنظيمات قوية وبرامج قابلة للنقاش والمحاسبة، فيما يبقى المواطن هو الطرف الذي ينبغي أن تكون صوته واختياراته في قلب العملية الانتخابية.

وبين تشخيص البلغيتي وتعليقات المتابعين، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: من سيفوز في الانتخابات المقبلة؟

بل أصبح أعمق من ذلك:

هل تستطيع الأحزاب المغربية أن تقنع الناخب بأنها قادرة على صناعة اتجاه الريح السياسي، بدل أن تظل في انتظار معرفة إلى أين ستهب؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *