فن التبوريدة: من طقس الفروسية إلى نص شفهي حي – قراءة أنثروبولوجية في ضوء مارسيل موس وكاميل لاكوست

ليست التبوريدة مجرد عرض فروسية عابر، ولا فرجة احتفالية تُستهلك في لحظة زمنية محدودة، بل هي خطاب ثقافي حيّ، تُكتب فصوله في “المحرك” بلغة الجسد والإيقاع والبارود، وتُروى مضامينه عبر ذاكرة جماعية متجذرة في عمق التاريخ الاجتماعي المغربي. إنها ممارسة تختزل تراكماً من العادات والتقاليد، وتُجسد تداخلاً دقيقاً بين الطقس والرمز والهوية، حيث يتحول الفعل الحركي إلى نص شفهي غير منطوق، قابل للقراءة والتأويل.
من هذا المنظور، تغدو التبوريدة مجالاً خصباً للدرس الأنثروبولوجي، بما تتيحه من إمكانات لفهم كيفية اشتغال الثقافة داخل المجتمع، ليس فقط من خلال القول، بل عبر الممارسة والتجسيد. وهو ما يستدعي استحضار تصور مارسيل موس حول “الواقعة الاجتماعية الكلية”، إلى جانب أعمال كاميل لاكوست التي نبهت إلى مركزية الشفهي في الثقافة الأمازيغية، وضرورة صونه من الاندثار.
تُفهم التبوريدة، في هذا السياق، بوصفها نسقاً طقوسياً متكاملاً، حيث لا يقتصر ركوب الخيل على كونه نشاطاً فرجوياً، بل يتجاوز ذلك ليحمل دلالات رمزية عميقة تتجسد في الانضباط الجماعي واستحضار القيم المرتبطة بالفروسية. ففي المرحلة التحضيرية، يضطلع “المقدم” (قائد السربة) بدور محوري في تأطير الفرسان (إمناين بالامازيغيةⵉⵎⵏⴰⵢⵏ)، من خلال ضبط الإيقاع الجماعي وتوجيه الأداء وفق قواعد متوارثة تشكل في حد ذاتها تعبيراً عن استمرارية الثقافة.
وتبدأ الممارسة بطقوس الإعداد، حيث تُهيأ الخيول بعناية فائقة، وتُزين بالسروج التقليدية التي لا تؤدي وظيفة عملية فحسب، بل تحمل حمولة جمالية ورمزية تعكس مكانة الفارس داخل الجماعة. ويُستعمل “الجام” لضبط الفرس وتوجيهه، بينما تشكل أدوات الزينة مثل “التماگ ⵜⵎⴰⴳ” و”السناح ⵙⵏⴰⵃ” عناصر أساسية في بناء الصورة البصرية للتبوريدة، حيث تتداخل الوظيفة بالزخرفة، ويتحول الجسد الحيواني إلى حامل لعلامات ثقافية مشفرة.
كما يُعدّ الفرسان أنفسهم ضمن نسق منضبط، تُستهل لحظاته بكلمة المقدم ذات الحمولة الدينية، التي تستحضر البعد الروحي للممارسة. ثم تُرفع “المكاحل” إيذاناً ببداية العرض، في لحظة يتقاطع فيها الانضباط الحركي مع التناسق الجماعي.
ومع دخول السربة إلى “المحرك”، تتجلى مرحلة “التسليمة” أو “الهدة” كاختبار أولي لانسجام الجماعة، قبل أن تبلغ الممارسة ذروتها في لحظة إطلاق العيار الجماعي، حيث تتجسد قيمة “الماصّة ⵍⵎⵚⵚⴰ” كمعيار دقيق يقيس وحدة التوقيت وكمال الأداء. وهنا تحديداً، يتحول الفعل إلى خطاب، والطلقة إلى علامة، والانسجام إلى معنى ثقافي يعكس جوهر الجماعة.
وفي قلب هذه الممارسة، تبرز “الخرطة ⵍⵅⵔⵟⴰ” أو طريقة أداء التبوريدة، باعتبارها نسقاً تقنياً وثقافياً يختلف باختلاف المجالات الجغرافية داخل المغرب. ويمكن التمييز بين ثلاث طرائق أساسية: الطريقة الشرقاوية، والحيانية، والخياطية ، حيث تعكس كل واحدة منها خصوصيات محلية في الإيقاع، والانطلاق، وضبط لحظة إطلاق البارود. ولا يقتصر الاختلاف هنا على التقنية، بل يمتد ليشمل تمثلات الجماعة للفروسية، وأنماط اشتغال الذاكرة المحلية.
وفي هذا السياق أيضاً، يظهر مصطلح “الكرنةⵍⴳⵔⵏⴰ” بوصفه علامة على المهارة الفردية داخل الأداء الجماعي، حيث يقوم بها الفارس المحترف في لحظة دقيقة تتطلب تحكماً عالياً في الجسد والفرس معاً. وتمثل “الكرنة” شكلاً من أشكال إبراز التميز داخل النسق الجماعي، دون الإخلال بوحدة السربة، وهو ما يعكس توازناً دقيقاً بين الفردي والجماعي في هذا الفن.
وإذا كان مارسيل موس قد نظر إلى الظواهر الثقافية بوصفها “وقائع اجتماعية كلية”، فإن التبوريدة تقدم مثالاً حياً لهذا التصور، إذ تتداخل فيها الأبعاد الدينية والاجتماعية والجمالية والتقنية في آن واحد. كما يمكن فهمها، في ضوء أعمال كاميل لاكوست، كنص شفهي غير مكتوب، تُنقل مضامينه عبر الأجساد والحركات، وتُحفظ في الذاكرة الجماعية بعيداً عن التدوين.
ومن أبرز تجليات هذا البعد الرمزي، تلك العلاقة الخاصة التي تربط الفارس بفرسه، والتي تتجاوز حدود الاستخدام إلى مستوى التفاعل الوجداني. فالفرس ليس مجرد وسيلة، بل شريك في الفعل الثقافي، يُظهر حساسية لافتة تجاه الفارس، خاصة في لحظات الخطر. وقد أظهرت المعاينة الميدانية أن الفرس، في حال سقوط الفارس، لا يفرّ، بل يظل محيطاً به في وضعية حذرة، وكأنه يمارس دور الحماية، إلى أن يستعيد الفارس توازنه. وفي حال الإصابة، تبدو على الفرس علامات القلق، في سلوك يمكن قراءته كدليل على تآلف رمزي عميق بين الإنسان والحيوان.
إن هذه العلاقة تعكس بعداً أنثروبولوجياً يتجاوز التقنية إلى ما يمكن تسميته “بالتواطؤ الوجداني”، حيث تتكامل الأدوار داخل نسق ثقافي يمنح لكل عنصر دلالته الخاصة. وهو ما يعزز فكرة أن التبوريدة ليست مجرد مهارة، بل تجربة جماعية تُبنى على الثقة والانسجام.
ويكتسب هذا الفن مشروعيته الثقافية أيضاً من كونه تراثاً مغربياً أصيلاً، تناقلته الأجيال بوصفه تعبيراً عن الهوية والانتماء، وقد تُوج هذا الاعتراف بإدراجه ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو. غير أن هذا التصنيف لا ينبغي أن يُفهم فقط كاعتراف رمزي، بل كمسؤولية تفرض ضرورة الحفاظ على هذا الموروث في أبعاده الشفوية والطقوسية، وصونه من الاختزال في صورته الاستعراضية.
وخلاصة القول، إن التبوريدة، في ضوء المقاربة الأنثروبولوجية، ليست مجرد فن تقليدي، بل نص شفهي حيّ، يُعاد إنتاجه في كل عرض، ويختزن في بنيته العميقة تداخلاً بين الأدب الشفهي الأمازيغي، والعادات والتقاليد، والفنون. إنها مرآة للذاكرة الجماعية، وفضاء تتجدد فيه الهوية، وتُصاغ عبره علاقة الإنسان بثقافته وتاريخه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *