ناصر بوريطة يكشف فلسفة التحرك المغربي: من تدبير ملف الصحراء إلى تغيير قواعده

ملف صحفي خاص | الحلقة الأولى: الفيتو الروسي في ميزان الدبلوماسية المغربية
الوطن24/ هيئة التحرير
لم تكن تصريحات ناصر بوريطة في المقابلة الخاصة التي بثّتها القناة الثانية المغربية مجرد توضيحات لموقف المغرب من الفيتو الروسي داخل مجلس الأمن، أو شرحاً لتطورات مرتبطة بمستقبل بعثة المينورسو؛ بل حملت، في مجملها، عرضاً للرؤية المغربية بشأن المرحلة المقبلة من ملف الصحراء، والخيارات التي اختارت المملكة اعتمادها لمواكبة التحولات السياسية والدبلوماسية التي يعرفها هذا الملف.
ومن خلال مختلف محاور الحوار، بدا واضحاً أن الرسالة الأساسية التي أراد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج إيصالها هي أن المغرب لم يعد يريد الاكتفاء بتدبير الوضع القائم، وإنما يتجه، وفق التوجيهات الملكية، نحو تغيير قواعد التعامل مع الملف، بما ينسجم مع ما تعتبره الرباط تحولات في مواقف عدد من الشركاء الدوليين.
وقد اختصر بوريطة هذه الفلسفة في عبارة لافتة: «الانتقال من التدبير إلى التغيير».
الفيتو الروسي لم يكن مفاجأة للمغرب
في معرض حديثه عن التصويت داخل مجلس الأمن، أوضح بوريطة أن المغرب كان يدرك احتمال استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي، وأن هذا الاحتمال كان حاضراً في حسابات الدبلوماسية المغربية.
وأكد الوزير أن الرباط لم تقم بمحاولة لإقناع موسكو بالتراجع عن موقفها، كما لم تسع إلى تعديل المشروع الأمريكي خلال الساعات الأخيرة لمجرد تفادي الفيتو، عبر حذف مقتضيات أو تليين صياغات كانت تعتبرها أساسية.
وهنا تبرز إحدى أهم الرسائل التي حملتها المقابلة: المغرب لم يجعل تفادي الفيتو هدفاً يعلو على مضمون المشروع والرهان السياسي الذي كان وراءه. فوفق التفسير الذي قدمه بوريطة، لم يكن المطلوب هو تمرير نص بأي ثمن، وإنما الدفع نحو تغيير المقاربة التي ظلت تحكم تدبير الملف.
وبذلك، فإن الفيتو الروسي، رغم أنه حال دون اعتماد المشروع الأمريكي، لم يدفع المغرب إلى التخلي عن تصوره للمرحلة المقبلة، بل اعتبرته الرباط فرصة لإعادة طرح الأسئلة المتعلقة بقواعد المسار السياسي ومستقبل الآليات الأممية.
ماذا كان يريد المغرب من مشروع القرار؟
شرح بوريطة أن المغرب كان ينتظر من مشروع القرار أن يكون واضحاً في تحديد الأساس الذي ستنطلق منه المفاوضات، والأطراف المعنية بها، والنتيجة السياسية المنتظرة، فضلاً عن القضايا التي ينبغي أن تكون جزءاً من النقاش، ومن بينها الوضع الإنساني في مخيمات تندوف.
وهذا التوضيح يكشف أن اهتمام المغرب لم يكن منصباً على مسألة تمديد ولاية بعثة المينورسو فقط، بل على طبيعة الإطار السياسي الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة.
فمن وجهة نظر الوزير، لا جدوى من استمرار لقاءات ومشاورات لا تفضي إلى نتائج واضحة، ولا من العودة إلى مسار لا تتحدد فيه المرجعية والأطراف والغاية النهائية.
ولهذا شدد بوريطة على أن أي استئناف للمسار السياسي ينبغي أن يقوم على أسس واضحة، وأن تكون له نتيجة محددة، بدل أن يتحول إلى اجتماعات متكررة من أجل الاجتماعات نفسها.
المينورسو.. مراجعة المهمة والمرجعية
خصص بوريطة حيزاً مهماً من المقابلة لمستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، معتبراً أن اسمها ومهمتها المرتبطين بالاستفتاء يعكسان مرحلة سابقة لم تعد، في تقديره، منسجمة مع واقع الملف.
واستحضر الوزير ما سبق أن صدر عن مسؤولين أمميين بشأن الصعوبات التي تحول دون تنظيم الاستفتاء، ليطرح سؤالاً حول جدوى استمرار بعثة تحمل في اسمها ومهامها مرجعية لم تتمكن الأمم المتحدة من تنفيذها طوال العقود الماضية.
كما تحدث عن التراجع الذي عرفته فعالية البعثة، وفق التقييم المغربي، وعن الصعوبات التي أصبحت تواجه عملها الميداني، خاصة في ما يرتبط بمراقبة وقف إطلاق النار في ظل التطورات التي شهدتها المنطقة منذ سنة 2020.
ومن خلال هذا الطرح، لا يقدم بوريطة المسألة باعتبارها خلافاً تقنياً حول بعثة أممية، بل باعتبارها جزءاً من سؤال أوسع يتعلق بمدى ملاءمة الآليات القائمة مع طبيعة المرحلة السياسية الجديدة التي يريد المغرب الدفع نحوها.
انتهاء الولاية والتدبير التقني للمرحلة الانتقالية
وفي معرض حديثه عن تداعيات عدم تجديد ولاية المينورسو، أوضح بوريطة أن الأمر يستدعي ترتيبات تقنية مع مجلس الأمن وإدارة عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة.
كما تناول ما يرتبط بوجود البعثة الميداني، من أفراد ومركبات وتجهيزات ولافتات ورموز، مشيراً إلى أن التعامل مع هذه العناصر ينبغي أن يتم في إطار المشاورات والترتيبات المرتبطة بانتهاء الولاية.
وشدد الوزير على أن المغرب لا يقدم الأمر باعتباره طرداً للبعثة، وإنما باعتباره نتيجة مترتبة على عدم تجديد ولايتها، وما يقتضيه ذلك من تدبير للوجود الميداني وفق الإجراءات المعنية.
وتوقف بوريطة كذلك عند ما اعتبره أبعاداً دولية لوجود المينورسو، من خلال حضورها الميداني، والتقارير الدورية المرتبطة بها، ومناقشة الملف داخل مجلس الأمن، إلى جانب الوضع في مخيمات تندوف.
ومن وجهة نظره، فإن مراجعة هذه العناصر قد تؤثر في الطريقة التي ظل بها الملف يحضر في الأجندة الدولية، وهي قراءة سياسية تعكس تصور المغرب للمرحلة المقبلة.
الحكم الذاتي.. أساس أي مفاوضات مقبلة
كان موقف بوريطة واضحاً في ما يتعلق بالمرجعية المغربية للحل: مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تظل الأساس الذي تقترحه المملكة لأي مسار تفاوضي.
وأوضح الوزير أن المغرب لا يرفض المفاوضات، ولا يستبعد استمرار الدور الأممي، لكنه يريد أن تكون المفاوضات قائمة على أسس محددة، وأن تنطلق من تصور واضح للنتيجة المنتظرة.
كما أشار إلى أن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 ليست، في نظر الرباط، مجرد مقترح عابر، بل مرجعية سياسية ودبلوماسية راكمت المملكة حولها دعماً دولياً متزايداً.
وتحدث بوريطة أيضاً عن العمل على تطوير المبادرة وتحيينها، وعن استعداد المغرب لعرض تصوره في إطار تفاوضي واضح، مع التأكيد على أن أي تقدم يظل مرتبطاً بوجود أطراف مستعدة للدخول في حوار جدي.
وهنا تتجلى الرسالة المغربية الأساسية: لا معنى للعودة إلى مفاوضات مفتوحة على الغموض، بل ينبغي أن يكون هناك أساس واضح وهدف سياسي محدد.
الدبلوماسية الملكية.. تراكم سنوات من العمل
ربط بوريطة التحولات التي يعرفها الملف بما وصفه بالتراكم الدبلوماسي الذي تحقق خلال السنوات الماضية تحت قيادة الملك محمد السادس.
وتحدث عن العلاقات التي نسجها المغرب مع عدد من الدول، وعن المواقف الرسمية التي عبّرت عنها عواصم دولية بشأن مبادرة الحكم الذاتي، فضلاً عن فتح قنصليات بالأقاليم الجنوبية، وتطوير الشراكات الاقتصادية والاستثمارية.
واستحضر الوزير مواقف عدد من الشركاء، من بينهم الولايات المتحدة وإسبانيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، في سياق إبراز التحول الذي يعتبر المغرب أنه تحقق في التعاطي الدولي مع قضيته الوطنية.
كما ربط هذا التراكم بالعمل التنموي في الأقاليم الجنوبية، من خلال البنيات التحتية والاستثمارات والمشاريع الاقتصادية، معتبراً أن التنمية والمشاركة السياسية والمؤسساتية تشكل عناصر أساسية في تعزيز الحضور المغربي بالأقاليم الجنوبية.
ومن خلال هذا العرض، أراد بوريطة التأكيد على أن التحرك المغربي لا يقوم على ردود فعل ظرفية، بل على استراتيجية متواصلة تجمع بين العمل الدبلوماسي والتحول التنموي.
الجزائر والفيتو الروسي.. انتقادات بوريطة
وفي سياق حديثه عن المواقف الإقليمية من التطورات الأخيرة، تناول بوريطة التصريحات الصادرة عن الخارجية الجزائرية، وقدم قراءة نقدية لما اعتبره تناقضاً بين بعض المواقف المعلنة والتصرفات المرتبطة بالتصويت داخل مجلس الأمن.
كما انتقد ما وصفه بمحاولات قراءة الموقف الأمريكي بصورة غير دقيقة، داعياً إلى التعامل مع التطورات بمنطق الوضوح والجدية، بعيداً عن المناورات السياسية والإعلامية.
وعندما طُرح عليه سؤال مسؤولية الجزائر عن التطورات، جاء حديثه في سياق تحميل الطرف الذي دفع في اتجاه الفيتو مسؤولية سياسية عن تعطيل المشروع. وينبغي هنا نقل كلامه بدقة، وعدم تحويل السياق إلى اقتباس مباشر لم يرد بوضوح في التسجيل.
وقف إطلاق النار.. التزام مغربي مستقل عن مصير البعثة
من النقاط التي حرص بوريطة على توضيحها الفصل بين انتهاء ولاية المينورسو ووقف إطلاق النار.
وأكد الوزير أن المغرب ما زال ملتزماً بوقف إطلاق النار، وأن مسألة البعثة الأممية لا ينبغي الخلط بينها وبين الالتزامات المرتبطة بالاستقرار الميداني.
كما تحدث عن الإجراءات التي اعتمدها المغرب في علاقته بالبعثة ومراقبيها، وعن حرصه على التعامل مع الوضع الميداني بمسؤولية.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في سياق النقاش حول مستقبل المينورسو، لأنها تؤكد، وفق الموقف الذي عرضه الوزير، أن مراجعة مهمة البعثة لا تعني التخلي عن الالتزام المغربي المعلن بشأن وقف إطلاق النار.
المغرب لا يخشى المرحلة المقبلة
في ختام المقابلة، عبّر بوريطة عن ثقة المغرب في مؤسساته وفي التوجيهات الملكية والثوابت الوطنية، معتبراً أن التحديات التي قد تفرزها المرحلة المقبلة يمكن تحويلها إلى فرص ومشاريع للمستقبل.
وهذه الخلاصة تنسجم مع مجمل الرسائل التي حملها الحوار: المغرب لا يريد العودة إلى نقطة البداية، ولا يعتبر أن الفيتو الروسي يفرض عليه التخلي عن اختياراته، بل يرى أن المرحلة المقبلة تستدعي مواصلة العمل الدبلوماسي، والدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي، وإعادة ترتيب شروط المسار السياسي.
إن الرسالة الأبرز في تصريحات ناصر بوريطة هي أن المغرب يريد الانتقال من إدارة ملف الصحراء وفق قواعد المرحلة السابقة إلى الدفع نحو إطار سياسي جديد، تكون فيه المرجعية واضحة، والمفاوضات ذات هدف محدد، ومبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في صلب الحل الذي تقترحه المملكة.
يتواصل الملف في الحلقة الثانية: «المينورسو.. نهاية مرحلة أم بداية إطار جديد؟»
