جريمة النقد

الوطن 24/ كتبها الدكتور إدريس الكنبوري

الدكتور إدريس الكنبوري

بسبب تدوينات عن الراحل اليوسفي رحمه الله تعرضت لوابل من الهجوم والتشنيع والاتهام.
وكأن النقد جريمة. لا: النقد جريمة حقا. دعوا “كأن”.
عندما بلغني خبر وفاة اليوسفي كتبت تدوينة مطولة عن الرجل، فيه ذكر مساره مختصرا وأهم محطاته، كرجل سياسي مخضرم له سجله النضالي وله سجله الآخر أيضا.

بعد ذلك كتبت تدوينتين تعليقا على سيل المديح الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، لأن الرجل رغم كل ما يمكن أن يكون قد قام به في مساره السياسي تم تضخيم صورته كأنه لم يمارس السياسة ولم يقد دفة الحكومة يوما. وهذا واجب فكري وسياسي، إذا لم يقم به آخرون لا يعني أن غيرهم ممنوع عليهم القيام به، فهذا واجب وطني.

أما أنني كتبت في نفس يوم رحيله فهذا عمل يقوم به الناس في العالم كله، ما إن يموت رجل سياسة أو فنان أو أي شخصية معنوية حتى ترى الملفات الصحافية والنقد والحصيلة والتقييم. وأنا لم أر في حياتي أن النقد والتقييم تأخر إلى اليوم الأربعين، بل الصحافة والمجلات والمثقفون يكتبون خلال الساعات الأولى لنزول الخبر.
هذا ما تعلمته في حياتي المهنية وكمثقف صاحب موقف.

ولذلك لا أعرف من أين نزل على بعضهم كل هذا التخلق وهذا الأدب وهذه الغيرة؟ أم هي الرقابة عادت من جديد لتسمح لك بما تكتب وبما لا تكتب؟ أم هو الحسد، وقانا الله عز وجل شر الحسد والعين؟. وأنا أعرف شخصيا عددا من الذين هاجموني، وأقول كلمة صدق ألقى بها الله سبحانه وتعالى، لعلي بها أسقط أو لعلي بها أعلو إن شاء الله: والله إنهم آخر من يمكن أن يتكلم عن الأخلاق. نعم. ولن أكرر كلامي، فقد قيل. وليس من رأى كمن سمع.

ولأن الكتابة شهادة، لا شهوة تعقبها شقوة، فإن ما أتعرض له من هجوم بسبب كتاباتي بين الحين والآخر، ومنذ زمان طويل، يزيدني إصرارا على مواصلة المسار، حتى يأتي جيل يعيد إلى الكلمة جمالها وإلى الحق نوره ويصلح ما أفسدت الثقافة الانتهازية. فعندما أرى أن هؤلاء يلتزمون الصمت ويغلقون أفواههم ويخيطونها بالحرير إذا تم المساس بالنبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن أو الصحابة أو العقائد الدينية، ثم عندما أرى هؤلاء على العكس يقولون إن ذلك يدخل في حرية التعبير والنقد؛ عندما أرى ذلك وأرى أن هؤلاء هم أنفسهم الذين يهاجمونني بسبب مواقفي في ما هو أهون، أحس بألم حاد في صدري قد يصاحبني أياما.

وقد قيل عني دائما إنني في كتاباتي أخدم جهة معينة، وأنا أتجاوز عن هؤلاء جهلهم وأسامحهم، ولن أقول شيئا في هذه الناحية ولن أزكي نفسي، فإن كانت كتاباتي تصب في مصلحة جهة معينة دون قصد فذلك ليس لي، أما الجهة التي أصب في مصلحتها بقصد ونية فهي بلدي.

إنه شرف لي أن أتعرض للهجوم والسب والقذف والتشنيع، فهذا لا يقلقني أبدا لأنني ليس لي غرض شخصي من وراء ذلك أبدا، ولو كانت لي أغراض شخصية فعلا لكنت أعرف ماذا يجب علي أن أقوله، فأنا لست خبا ولا الخب يخدعني. ولكن قضيتي خدمة الحقيقة ونيل بعض الأجر ومحاولة تقليد الكبار الذين تعلمنا منهم رحمهم الله، لكي ننال بركة الطريق، ولم يحصل لي في حياتي أبدا ـ ولله الحمد والمنة ـ أن ربطت بين المواقف الفكرية والسياسية وبين الرزق، لأن المواقف أنا مكلف بها، والرزق الله سبحانه مكلف به، وما مرت علينا شدة إلا أعقبها رخاء، وما مر علينا رخاء إلا جاءت بعده شدة، ولله عاقبة الأمور، نسأل الله العافية والغنى.

ولذلك لا بد من السير، لكي تكون الحرية هي مبتغانا، ولا نريد أن نسمع بعد اليوم من يتكلم عن “حصيلة المغرب” في حقوق الإنسان، ومن يحتج ضد اعتقال، ومن ينادي بالديمقراطية، ثم يمر من الباب الآخر ويتعرض لنا في الطريق بسبب ما نكتب.

وأخيرا نحن من يختار توقيت الكتابة، أكانت قبل الموت أم بعد الموت، وإذا كان هناك من يختار لنا التوقيت فعليه أن يختار لنا الكلام أيضا.