فَتَى السُّوزُوكي الطائر** (حكاية أول دراجة نارية سوزوكي في سوكيل).

فوق رصيف طفولتي أشعر بالدفء. (قراءة مفيدة ممتعة)
الوطن24/ بقلم: الدكتور أحمد جوهري
في فجر الطفولة النَّدِي، حين كانت تدهشنا الفراشات البيضاء والملونة، فنرغب في أن نحلق بجوارها في فسحة الفضاء الأزرق، ونرقص معها في الحدائق فوق أريج النيلوفر البهي وشقائق النعمان الحمراء، ونتمنى أن نستحم معها في الشلال الذهبي لذرات أشعة الشمس المتسربة من شبابيك النوافذ، في ذلك الزمن الجميل، كانت سوكيل، هادئة ينام السكون خلف جدرانها القصيرة، وتداعب شوارعَها رطوبةُ النسائم البحرية الغربية وعبيرُ أزهار الخزامى والأقحوان الزكية.
وذات مساء ربيعي نَاعم، ارتفع فجأة صوتٌ صاخبٌ وغريب أسفل شارع النهضة الخالي من المارَّة.. صوتٌ ضاجٌّ قوي يشبه قرقعة الحديد المسترسلة. كان صوتَ مُحركِ أولِ دراجة نارية يابانية في سوكيل من نوع سوزوكي. هرعتُ بسرعة مع أطفال زقاق النهضة إلى حيث مصدر الضجة الميكانيكية الصاخبة. وهناك قرب سور محطة القطار شاهدنا الآلة البراقة العجيبة تلمع تحت أشعة شمس الأصيل الوردية برفرفيها البراقين اللذين يكسوان عجلتين سوداوين جديدتين، وشوكتها المطاطية الأمامية المؤلفة من عمودين فضيين يمسكان العجلة الأمامية، ومصابيحها الأمامية والخلفية الجذابة. وفوق مقعدها الرئيس جلس فتى مراهق بقميصه الكشمير الرمادي المفتوح، وسرواله الجينز الأزرق، وحذائه الأسود الطويل، وعلى رأسه الخفيف الشعر قبعة جلدية بنية مستديرة مشدودة إلى عنقه بخيط جلدي دقيق على طريقة رعاة البقر الأمريكيين. وفي جيب قميصه الكشمير غُرِست وردة بيضاء.
كان ذلك الفتى ودراجتُه السوزوكي علامةً لبوادر ظهور نمط من العيش البورجوازي الصناعي الرأسمالي الغربي في بلدة سوكيل الفلاحية الصغيرة شمال غرب المغرب، كما كان مثالا لطبقة أرستقراطية مغربية تتمكْنَن، وتدخلُ عصر المحركات الميكانيكية من باب التسلية والترفيه. ولَمَّا يركب ابن البلدة الفلاحية مكنة صناعية حديثة، فإنه لا يقودها على طريقة البورجوازي الغربي، بل يحرث بها الإسفلت الأسود ذهابا وجيئة كما لو كان يدفع زَوجَيْ بهائم بالمحراث الخشبي. وذلك ما كان يفعله ذلك الفتى الجريء بدراجته السوزوكي في إسفلت شوارع سوكيل طولا وعرضا.
بَيْدَ أنه لم يكن يكتفي بالحرث. كان يرغب في بضع لحظات من الشغب.. من طيش الصِّبا.. من التحليق عاليا في السماء غير مُبالٍ بكُتل تلك الغيوم السوداء الضخمة المتماوجة التي تشبه غيلانا مخيفة.
اشْلايْطا يقرأ فنجانَ الفَتى:
وذات يوم صادف فتى السوزوكي ذلك الرجل الغريب الأطوار الذي كان صبيان سوكيل ترتعد فرائصهم من رؤيته، بل حتى من سماع اسمه المُطَلْسَم الغامض: “اشْلايْطا”. الاسم الذي مازال يحيرني معناه إلى اليوم، هل هو بقايا لخليط من اللغات الفينيقية والقرطاجنية والمازيغية والعروبية الهلالية التي مرت بالمغرب أم مجرد ابتكار للذاكرة الجماعية لأبناء سوكيل؟
كان اشْلايْطا يُجاوز الخمسين، رأسه الحليق يتوسطه قَرْن طويل من الشعر الأبيض على شاكلة زعيم قبيلة من قبائل الهنود الحمر أو الغجر، وتُطَوِّق عنقَه سُبحةٌ طويلة ذاتُ عقيق بُنِّي سميك، وتميمةٌ متسخة على شكل فنجانٍ مستدير. شخصٌ أسطوري مخيف يذكرني بشبح الوحش الغريب في رواية ” نداء كُتولو” لكاتب الرعب الأمريكي لافَرْكْرافْتْ، أو بشخصية بَهْرام المَجوسي في حكاية “حسن الصائغ البصري مع الجِنِّية ذات الريش”. لكن أخطر شيء في اشْلايطا هو رأسه الغليظ الصلب الشبيه بجذع سِنْديانة أو بِكُرةٍ مستطيلة ضخمة. وقد كانت الشائعات تقول إنه لو نطح ثورا ضخما لَخَرَّ الحيوانُ المسكين على الأرض محطَّم الجُمجمة.
اقترب فتى السوزوكي بجرأة عجيبة من اشْلايطا، وناوله ورقة نقدية تميل إلى الحمرة من فئة 10 دراهم عليها صورة الملك الراحل الحسن الثاني، فانكسرت عينا الشرير الخرافي كموجتين بحريتين على صخرة الطاقة المذهلة لكرم الفتى وشجاعته. وانطلقت أسارير وجهه البرونزي كاشفة عن ابتسامة فظيعة بدا معها ناباه الحادّان وقواطِعُه المُصَفَّحة الصفراء وأضراسه الكبيرة المبَقَّعة بخطوط سوداء، ثم نزع علبة تميمته من عنقه، وشرع يغمغم فرِحا بتعويذة سحرية وينفث عليها بخار فمه الحار، ثم أبرزها للفتى وقال له:
– ها هي عروستُك الجميلة… انظر إليها!
نظر الفتى مندهشا إلى علبة التميمة فرأى طيف حسناء فارعة الطول كدوحة خضراء، وجهُها باهر الإضاءة كشمس شهر أيار، وضفائر شعرها الخضراء تنتشر في الهواء كأنها أوراق شجرة الكلبتوس. فانعقد لسانه، ودبَّت في جسده قشعريرةٌ دافئة لم يعهدها من قبل، ثم تَمالَكَ نفسه وصاح في لهفة:
– متى يومُ عرسي؟ … متى؟.. متى؟
بسط اشْلايطا لَوْحَيْ راحَتَيْ يديه المتشققين كما يفعل أولئك السحرة الجنوبيون الذي يأتون بحثا عن الكنوز، وأخذ يَعُدُّ أصابعه السميكة المنتفخة كأفخاذ الضفادع بأعداد مازيغية عربية: يان، سين، كراد، ربعة… حتى آخر إصبع، ثم قال:
– لا تتعجلْ يومَ عرسك أيها الولد الكريم الشقي .. ستحتضن عروسَك.. نعم حتما، ستحتضنها…
– متى؟ .. متى؟ .. صرخ فتى السوزوكي متعجلا.
أجاب اشْلايطا بصوت أصَمَّ كقَرْعِ الطبل وابتسامة لا تخلو من مكر.
– بعد أن تُثمرَ فاكهة البطيخ عشر مرات …
(يـــتـــبع)…
(عن كتاب الطفولة: على رصيف زقاق النهضة)
