الفيفا تضع المغرب بين عظماء العالم… ونحن ما زلنا نبحث عن أخطاء المدرب!

في سابقة تاريخية غير معهودة، تصنّف الفيفا والاتحاد الدولي للإحصاء والتاريخ لكرة القدم (IFFHS) المغرب ضمن أفضل عشرة منتخبات في العالم، وهو إنجاز لم يسبق لكرة القدم الوطنية أن بلغته منذ تأسيسها. اعتراف دولي صريح يضع المنتخب المغربي في مصاف القوى الكروية الكبرى، ويمنحه مكانة ثابتة داخل النخبة العالمية. ومع ذلك، لا يزال الجدل الداخلي مشتعلاً، موجهاً سهامه نحو المدرب والاختيارات التقنية، وكأن ما تحقق لا يستحق التقدير أو التوقف عنده.

هذا التصنيف لم يكن ضربة حظ، ولا نتيجة مباراة واحدة أو مشاركة عابرة، بل هو ثمرة عمل تراكمي طويل قادته الدولة الملكية المغربية لكرة القدم برؤية واضحة واستراتيجية ممتدة. فتصنيفات الفيفا وIFFHS تقوم على معايير دقيقة تشمل النتائج، الاستمرارية، قوة الخصوم، والحضور في المنافسات الكبرى، وهو ما يجعل دخول المغرب إلى “Top 10” شهادة عالمية لا تقبل التشكيك أو التقليل.

لأول مرة في تاريخ الكرة المغربية، يصبح المنتخب الوطني رقماً صعباً في المعادلة الدولية، متقدماً على مدارس كروية عريقة، ومحاطاً باحترام متزايد من المتخصصين والخبراء. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل نتج عن استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتطوير منظومة التكوين، وترسيخ الاحتراف، والأهم من ذلك الاستقرار التقني الذي مكّن المنتخب من بناء هوية لعب واضحة وشخصية تنافسية قوية.

غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن الاعتراف الخارجي سبق الاعتراف الداخلي. ففي الوقت الذي تحتفي فيه المؤسسات الكروية العالمية بما يحققه المغرب، ينشغل جزء من النقاش المحلي بتفاصيل جزئية، أو بنتائج ظرفية، أو بأداء مباراة هنا أو هناك، متجاهلاً الصورة الشاملة التي تبرز نجاح مشروع كروي متكامل.

لا أحد ينكر أن النقد حق مشروع، بل ضرورة لتصحيح المسار وتطوير الأداء. لكن النقد حين يتحول إلى جلد للذات، أو إلى ثقافة إنكار للإنجاز، يصبح عبئاً على المشروع بدل أن يكون رافعة له. المنتخبات الكبرى لا تُقاس بالكمال، بل بالقدرة على التواجد المستمر في القمة، وبالاستقرار الذي يسمح بتصحيح الأخطاء دون هدم الأسس.

المدرب، مثل أي عنصر داخل المنظومة، قابل للنقاش والتقييم، لكنه ليس الحلقة الأضعف في مشروع أثبت نجاعته بالأرقام والوقائع. فالمنتخب المغربي اليوم لا يعيش لحظة عابرة، بل مرحلة تاريخية تؤسس لمستقبل أكثر طموحاً، إذا ما توفرت له الثقة والدعم والهدوء.

إن تصنيف المغرب ضمن أفضل عشرة منتخبات في العالم ليس نهاية الحلم، بل بدايته الحقيقية. هو دعوة صريحة لمراجعة علاقتنا بالنجاح، والانتقال من عقلية الشك والتقليل إلى ثقافة الاعتراف والتثمين. فحين تعترف الفيفا، وتؤكد الأرقام، يصبح من الواجب أن نعترف نحن أولاً، وأن نحمي إنجازاً أعاد اسم المغرب بقوة إلى واجهة كرة القدم العالمية.