المغرب يوضح رسمياً أحداث سبتة ومليلية.. بين مواجهة الهجرة غير النظامية وتحديات الحرب الرقمية والروايات المتضاربة

الوطن24/ الرباط
أصدرت وزارة الداخلية المغربية، السبت، أول تصريح رسمي شامل بشأن الأحداث التي شهدتها مؤخراً نقاط العبور المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية، واضعة رواية رسمية لما جرى، ومقدمة معطيات رقمية وتفسيراً أمنياً وقانونياً للأسباب التي أدت إلى واحدة من أكبر موجات محاولات الهجرة غير النظامية التي عرفتها المنطقة في الفترة الأخيرة.
ويأتي هذا التصريح في وقت احتدم فيه الجدل داخل المغرب وخارجه، بعدما تداولت وسائل إعلام ومنصات رقمية أرقاماً متباينة حول أعداد المشاركين في محاولات العبور، وحصيلة الضحايا، وهو ما دفع السلطات المغربية إلى تقديم روايتها الرسمية للأحداث، في محاولة لوضع حد لما وصفته بالمعلومات غير الدقيقة والتأويلات المغلوطة.
المغرب: الهجرة لم تكن عفوية
بحسب وزارة الداخلية، فإن ما وقع لم يكن نتيجة تحرك تلقائي أو ظرفي، بل جاء نتيجة تداخل عدة عوامل، أبرزها الحملات المنظمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وانتشار معلومات مضللة، واستغلال شبكات الاتجار بالبشر لطموحات الشباب الراغب في الهجرة، إضافة إلى سوء فهم بعض التطورات القانونية المتعلقة بإجراءات الإعادة الفورية التي تعتمدها السلطات الإسبانية.
وترى السلطات المغربية أن هذه العوامل خلقت لدى آلاف الشباب انطباعاً بإمكانية الوصول إلى الأراضي الأوروبية دون مواجهة إجراءات الإرجاع، وهو ما شجع على اعتماد أسلوب العبور سباحة نحو سبتة، باعتباره – وفق تلك التأويلات – أقل عرضة للإعادة المباشرة.
أرقام رسمية تختلف عن الروايات المتداولة
وقدمت وزارة الداخلية المغربية لأول مرة أرقاماً رسمية، مؤكدة أن عدد المشاركين في محاولات العبور نحو سبتة بلغ حوالي 40 ألف شخص، بينما بلغ عدد المتوجهين نحو مليلية حوالي 1135 شخصاً، مشيرة إلى أن جميع من تمكنوا من الوصول إلى مليلية تمت إعادتهم في حينه.
وأكدت الوزارة أن هذه الأرقام تستند إلى منظومات مراقبة ميدانية وتقنية دقيقة، معتبرة أنها المرجع الرسمي الوحيد، في مقابل أرقام أخرى جرى تداولها إعلامياً وعلى منصات التواصل دون الاستناد إلى مصادر رسمية أو معطيات موثقة.
حصيلة الضحايا… والرواية التي ما زالت قيد التحقق
وفي ما يتعلق بالخسائر البشرية، أعلنت السلطات المغربية تسجيل 11 حالة وفاة إلى حدود صدور التصريح، بينها وفاة واحدة نتيجة السقوط من منطقة صخرية، وعشر حالات غرق أثناء محاولات العبور.
وفي المقابل، أقرت الوزارة بأن ما يتم تداوله بشأن وجود وفيات إضافية داخل مدينة سبتة لا يزال يخضع للتحقق، عبر قنوات التعاون الرسمية مع السلطات الإسبانية، بهدف تحديد العدد الحقيقي للضحايا وهوياتهم وجنسياتهم قبل الإعلان عن أي معطيات نهائية.
ويعكس هذا الموقف حرص السلطات المغربية على اعتماد المعطيات المؤكدة قبل إعلانها رسمياً، في ظل تضارب الأرقام المتداولة إعلامياً خلال الأيام الماضية.
البعد الأمني… واستمرار التنسيق المغربي الإسباني
أكدت وزارة الداخلية أن السلطات العمومية اعتمدت منذ البداية مقاربة استباقية، شملت تعزيز الانتشار الأمني، وتكثيف المراقبة البرية والبحرية، ورفع مستوى الجاهزية بمختلف نقاط العبور، وهو ما اعتبرته عاملاً أساسياً في الحد من توسع الأحداث.
كما أوضحت أن التنسيق الأمني والقضائي بين المغرب وإسبانيا ظل متواصلاً طوال الأزمة، سواء فيما يتعلق بإعادة الراغبين في العودة، أو في ما يخص التحقق من أوضاع المهاجرين والضحايا المحتملين.
النيابة العامة تدخل على الخط
ولم يقتصر التعامل مع الأحداث على الجانب الأمني، إذ أعلنت وزارة الداخلية أن النيابة العامة المختصة باشرت فتح أبحاث قضائية لتحديد جميع الملابسات، والكشف عن المسؤوليات المرتبطة بالتحريض أو التنظيم أو الاتجار بالبشر، مع ترتيب الآثار القانونية وفق التشريعات المغربية.
رسالة إلى الشركاء الأوروبيين
يحمل التصريح المغربي أيضاً رسائل سياسية تتجاوز تدبير الأزمة الآنية، إذ جددت الرباط تأكيدها أن الهجرة غير النظامية مسؤولية مشتركة بين دول المصدر والعبور والاستقبال، وأن مواجهتها تتطلب تعاوناً دولياً قائماً على تقاسم الأعباء، وليس الاكتفاء بالمقاربات الأمنية وحدها.
كما شددت المملكة المغربية على أنها ستواصل أداء دورها كشريك مسؤول في مكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات الاتجار بالبشر، مع التشبث في الوقت ذاته بحماية حدودها وصون النظام العام واحترام التزاماتها الوطنية والدولية.
قراءة تحليلية
يمثل هذا التصريح أول رواية رسمية متكاملة تصدرها السلطات المغربية منذ اندلاع موجة العبور الأخيرة، وهو يعكس رغبة واضحة في تقديم تفسير مؤسساتي للأحداث والرد على النقاش الواسع الذي رافقها داخل المغرب وعلى المستوى الدولي.
وفي المقابل، يبقى ملف الهجرة غير النظامية من أكثر الملفات تعقيداً في المنطقة، إذ يتداخل فيه البعد الأمني مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، كما يتأثر بالتطورات القانونية والسياسية بين ضفتي المتوسط. ومن المرجح أن يستمر الجدل حول هذه الأحداث إلى حين استكمال التحقيقات المغربية والإسبانية وصدور معطيات نهائية متوافق عليها بشأن جميع الوقائع، بما في ذلك حصيلة الضحايا وظروف وقوعها.
وبين الرواية الرسمية المغربية، وما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى الاعتماد على المعلومات الموثقة، حفاظاً على حق الرأي العام في الوصول إلى حقائق دقيقة، بعيداً عن الشائعات أو الاستنتاجات غير المستندة إلى نتائج التحقيقات الرسمية.
