من وحي ذكرى المولد النبوي الشريف… حين أشرقت الرسالة فتغيّر وجه العالم

الوطن24/ إعداد: ذ. السعيد شخمان
تتجدد ذكرى ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتجدد معها في وجدان المؤمنين معاني النور والرحمة والهداية، وتعود إلى الذاكرة الإنسانية سيرة رجل لم يكن ميلاده حدثا عابرا في سجل التاريخ، وإنما كان إيذانا بميلاد مرحلة جديدة في مسار الإنسان، وبداية تحول عميق في الفكر والقيم والعلاقات والضمير والوجدان.
إنها ذكرى ، خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وجعل رسالته نورا يهدي الحائرين، وسراجا منيرا يبدد ظلمات الجهل والوثنية والظلم والانحراف.
قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، وقال سبحانه: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾.
ومن هنا، فإن المولد النبوي الشريف ليس مجرد مناسبة لاستحضار تاريخ الميلاد، ولا احتفالا زمنيا ينتهي بانتهاء أيامه؛ بل هو مناسبة لتجديد السؤال الكبير: ماذا بقي من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم في حياة الإنسان؟ وماذا يمكن للإنسانية أن تربح إذا عادت إلى قيمها ومقاصدها؟ وماذا تخسر حين تبتعد عن هديها؟
أولا: ميلاد غيّر مجرى التاريخ
قبل البعثة المحمدية، كان العالم يعيش تحولات وصراعات واختلالات عميقة. كانت القوة كثيرا ما تسبق الحق، وكان الإنسان يُقاس بحسب نسبه ومكانته وثروته وقوته، وكانت المجتمعات تعرف صورا متعددة من الاستعباد والتمييز والظلم والصراع.
وفي الجزيرة العربية نفسها، كانت العصبية القبلية تستحكم في العلاقات، وتتحول الخصومة أحيانا إلى حروب طويلة، وكان الضعيف يجد نفسه بلا حماية حقيقية أمام القوي، وكانت المرأة في بعض البيئات تُعامل معاملة تنتقص من إنسانيتها، كما كانت الوثنية والعادات المنحرفة تستبد بالعقول والقلوب.
ثم جاءت الرسالة المحمدية لتضع الإنسان أمام حقيقة جديدة: أن الكرامة الإنسانية أصل، وأن العدل أساس، وأن التقوى معيار، وأن القوة لا تمنح صاحبها حق الظلم، وأن المال أمانة، وأن الحاكم مسؤول، وأن المجتمع لا يستقيم إلا إذا حفظ حقوق أفراده.
وهكذا لم تكن الرسالة المحمدية مجرد دعوة روحية منفصلة عن الحياة؛ لقد أعادت بناء الإنسان، ثم الأسرة، ثم المجتمع، وأسست منظومة متكاملة من الإيمان والأخلاق والعبادة والعدل والمسؤولية والتكافل.
لقد بدأ التحول من الإنسان نفسه.
فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يبدأ ببناء الحجر قبل بناء البشر، ولم يبدأ بإقامة مظاهر القوة قبل إقامة قوة الإيمان والضمير. صنع الإنسان الذي يعرف ربه، ويعرف حقه وواجبه، ويؤمن بالمسؤولية، ويستشعر الرقابة الإلهية، ويجعل الأخلاق جزءا من الدين لا زينة إضافية له.
ثانيا: الرسالة المحمدية… رحمة تتجاوز الحدود
حين نقرأ قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، ندرك أن البعد الإنساني في الرسالة المحمدية ليس هامشا فيها، وإنما هو من صميمها.
فالرحمة ليست ضعفا، واللين ليس عجزا، والعفو ليس استسلاما، وإنما هي منظومة أخلاقية تجعل الإنسان قادرا على أن ينتصر للحق دون أن يتحول إلى ظالم، وأن يمارس القوة دون أن يفقد إنسانيته، وأن يختلف دون أن يكره، وأن يحاسب دون أن ينتقم.
ومن أسمى ما جاءت به السيرة النبوية أن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع بين قوة المبدأ ورقة القلب، وبين الحزم في الحق والرحمة بالخلق.
وهذا هو أحد أسرار خلود النموذج النبوي: إنسانية في أرقى صورها، وإيمانية في أعمق معانيها، وأخلاقية في أصدق تجلياتها.
ثالثا: القرآن والسنة… هدي يضيء الطريق
لم تكن السنة النبوية منفصلة عن القرآن، بل جاءت مبينة له ومجسدة لمعانيه في حياة الناس.
فالقرآن أصل الهداية، والسنة بيان عملي وتطبيقي، وفي السيرة النبوية نرى كيف انتقلت المبادئ من صفحات الوحي إلى واقع الإنسان.
تحول الصدق إلى ممارسة، والأمانة إلى سلوك، والعدل إلى نظام حياة، والرحمة إلى علاقة بالناس، والتكافل إلى مسؤولية اجتماعية، والشورى إلى مبدأ في تدبير الشأن، والوفاء بالعهد إلى خلق، واحترام الإنسان إلى قاعدة في التعامل.
ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم معلما ومربيا وقائدا وإماما وقاضيا، وكان يبني الأمة على أساس المسؤولية والعدل والتعاون، لا على أساس الفوضى والاستبداد والتمييز.
إن عظمة السنة ليست في كثرة الحديث عنها، وإنما في إحياء قيمها في السلوك والمعاملة والمؤسسات والمجتمع.
رابعا: من الدعوة إلى بناء الأمة
كانت الدعوة المحمدية دعوة إلى التوحيد، لكنها لم تتوقف عند حدود الاعتقاد المجرد.
فالتوحيد أعاد ترتيب علاقة الإنسان بربه، ومن ثم أعاد ترتيب علاقته بنفسه وبالناس وبالسلطة وبالمال وبالحياة.
ومن المسجد انطلقت مدرسة الإنسان الجديد؛ فيه يتعلم القرآن، وتُقام الصلاة، وتلتقي القلوب، وتتراجع الفوارق المصطنعة، ويقف الجميع في صف واحد أمام الله.
ثم نشأت الجماعة، وتأسست الدولة، وانتظمت العلاقات، ونظمت الحقوق والواجبات، وأصبح المجتمع أمام مشروع حضاري يقوم على الإيمان والعدل والمسؤولية والتكافل.
وهنا تكمن إحدى الخصائص الكبرى للتجربة النبوية: أن الرسالة لم تبق فكرة في العقول، وإنما تحولت إلى مجتمع حي، وإلى سلوك ومؤسسات وعلاقات وقيم.
خامسا: ماذا ربحت الإنسانية من هدي النبي صلى الله عليه وسلم؟
ربحت الإنسانية، قبل كل شيء، إعادة الاعتبار إلى الإنسان.
ربحت مفاهيم عظيمة في العدل والرحمة والكرامة والتكافل وحفظ الحقوق.
وربحت نموذجا أخلاقيا يجعل السلطة مسؤولية لا امتيازا، والمال أمانة لا وسيلة للاستعلاء، والعلم عبادة ومسؤولية، والقوة وسيلة لحماية الحق لا أداة لإذلال الضعفاء.
وربحت أيضا أفقا روحيا يعيد للإنسان معنى الغاية من وجوده، ويحرره من عبادة المظاهر والمصالح والأهواء.
وفي المجال الاجتماعي، جعل الإسلام رعاية الضعيف مسؤولية جماعية، وأعلى من شأن الصدقة والزكاة والإحسان وصلة الرحم وكفالة اليتيم وإغاثة المحتاج.
وفي المجال الأخلاقي، جعل الصدق والأمانة والوفاء والعفة والرحمة والحياء والإحسان عناصر أساسية في بناء الشخصية.
إن الحضارة لا تُقاس بما تشيده من أبراج فقط، وإنما بما تبنيه من إنسان.
سادسا: وماذا تخسر الإنسانية حين تغفل عن هديه؟
إن أخطر ما تخسره الإنسانية حين تبتعد عن القيم النبوية ليس مجرد فقدان بعض المظاهر الدينية، وإنما فقدان البوصلة الأخلاقية.
وحين ينفصل العلم عن الأخلاق، يمكن أن تتحول المعرفة إلى أداة للدمار.
وحين تنفصل القوة عن العدل، يتحول النفوذ إلى استبداد.
وحين ينفصل المال عن المسؤولية، تتحول الثروة إلى وسيلة للاستغلال.
وحين تنفصل السياسة عن الأخلاق، تتحول المنافسة إلى صراع على النفوذ والمصالح.
وحين يضعف التكافل، يصبح الفقر والإقصاء والتهميش أرقاما باردة في تقارير لا ترى الإنسان خلف الرقم.
ومن هنا فإن أزمة العالم المعاصر ليست أزمة معرفة فقط؛ فالعالم يمتلك من المعرفة والتكنولوجيا والقدرات ما لم تعرفه البشرية من قبل، لكنه لا يزال يبحث عن إجابة عميقة لسؤال الأخلاق والمسؤولية: ماذا نفعل بما نملك؟ ولأجل من؟ وبأي قيم؟
وهنا تستعيد الرسالة المحمدية راهنيتها، لا بوصفها تاريخا من الماضي، وإنما باعتبارها مصدرا للقيم والمعاني التي يحتاجها الإنسان في كل زمان.
سابعا: المسجد والقرآن… ذاكرة تحفظ المجتمع
ولم تكن المساجد في المجتمعات الإسلامية القديمة مجرد أماكن لأداء الصلاة، بل كانت مراكز للعلم والذكر والتربية والتواصل والتكافل.
وكانت البيوت التي يقرأ فيها القرآن، والمساجد التي تعمر بالصلاة والتلاوة، والمدارس التي يتعلم فيها الناس كتاب الله وسنة رسوله، تشكل منظومة روحية وأخلاقية تسهم في حفظ المجتمع من التفكك والانحراف.
لقد كانت قراءة القرآن آناء الليل وأطراف النهار، وحضور الصلاة، وتعليم الأبناء، وإكرام الجار، وصلة الرحم، وإغاثة المحتاج، وإطعام الفقير، ومساعدة الضعيف، مظاهر يومية لدين يتحول إلى حياة.
ولذلك حفظت الذاكرة التاريخية الإسلامية نماذج مشرقة لعلماء وحكام وقضاة وحفظة للقرآن وأئمة صالحين وأهل خير، جعلوا من الدين قوة بناء وإصلاح واستقرار.
وليس المقصود تمجيد الماضي لمجرد أنه ماض، وإنما استحضار الدرس: أن المجتمعات حين تتأسس على قيم المسؤولية والعدل والتكافل والعبادة والأخلاق تكون أكثر قدرة على حفظ أمنها الاجتماعي وتماسكها.
ثامنا: المولد النبوي… مناسبة لتجديد العهد
ما أحوجنا اليوم إلى أن يتحول المولد النبوي من مناسبة نتحدث فيها عن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مناسبة نتساءل فيها عن مقدار حضور أخلاقه في حياتنا.
ما أحوجنا إلى أن يكون حب الرسول صلى الله عليه وسلم صدقا في المعاملة، وأمانة في المسؤولية، ورحمة بالضعفاء، وعدلا مع الناس، ووفاء بالعهود، وإحسانا إلى الجار، وبرورا بالوالدين، وحفظا للحقوق.
فليس أعظم من أن نحتفل برسول الرحمة بأن نجعل الرحمة خلقا في بيوتنا ومجتمعاتنا.
وليس أصدق من أن نعلن محبتنا له بأن نجعل الصدق طريقا في تجارتنا، والأمانة أساسا في أعمالنا، والعدل مبدأ في أحكامنا، والنزاهة قاعدة في مسؤولياتنا.
وليس أجمل من أن يكون تجديد الذكرى تجديدا للعهد والميثاق مع الله على الاستقامة والإصلاح.
تاسعا: رسالة إلى العالم المعاصر
يحتاج العالم اليوم، وسط ما يعيشه من حروب وصراعات واستقطاب وفوارق اجتماعية وقلق حضاري وأزمات أخلاقية، إلى إعادة اكتشاف قيمة الرحمة.
ويحتاج إلى ثقافة تجعل الإنسان غاية في التكريم، لا مجرد رقم في سوق العمل أو مستهلك في اقتصاد المصالح.
ويحتاج إلى عدالة تمنع تغول القوة، وإلى أخلاق تضبط حركة المال، وإلى مسؤولية تجعل السياسة خدمة للناس، وإلى تربية تعيد للإنسان معنى الضمير.
وفي هذا السياق، يمكن للرسالة المحمدية أن تقدم إسهاما إنسانيا عظيما حين تُفهم في مقاصدها الكبرى: التوحيد، والعدل، والرحمة، والكرامة، والإحسان، وحفظ الحقوق، وصيانة الإنسان، وإعمار الأرض.
فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الصراع باسم الدين، وإنما يحتاج إلى أن يرى في الدين قيمته الأخلاقية والإنسانية والحضارية.
عاشرا: من الذكرى إلى المستقبل
إن استحضار السيرة النبوية ينبغي ألا يكون هروبا من الحاضر إلى الماضي، بل عودة إلى الماضي من أجل بناء المستقبل.
فالأمة التي تعرف تاريخها تستطيع أن تستخرج منه عوامل قوتها، والأمة التي تفهم رسالة نبيها تستطيع أن تحول القيم إلى مشروع حياة.
إن تجديد العهد برسول الله صلى الله عليه وسلم يعني أن نجدد عهدنا بالقرآن، وبالأخلاق، وبالرحمة، وبالعدل، وبالعلم، وبالعمل، وبالإصلاح، وبخدمة الإنسان.
ويعني كذلك أن ندرك أن بناء الأمة لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما ببناء الإنسان، وإصلاح الأسرة، وتقوية المدرسة، وإحياء المسجد، وترسيخ ثقافة العمل، وصيانة المال العام، ومحاربة الفساد، واحترام القانون، وإعلاء قيمة المسؤولية.
فالأمة التي أرادها الرسول صلى الله عليه وسلم أمة شاهدة على الناس، لا أمة غائبة عن العصر؛ أمة تجمع بين أصالة المرجعية وقدرة الاجتهاد، وبين ثبات القيم وحيوية الوسائل.
خاتمة: حين يتحول المولد إلى حياة
تأتي ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم كل عام، فتفتح أمامنا نافذة على ذلك الفجر الذي أشرق منه نور الرسالة، لكنها في الوقت نفسه تضعنا أمام مسؤولية الحاضر والمستقبل.
لقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالرحمة، فكان من واجب أتباعه أن يكونوا رحماء.
وجاء بالصدق، فكان عليهم أن يكونوا صادقين.
وجاء بالأمانة، فكان عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها.
وجاء بالعدل، فلا يستقيم أن يكون الظلم جزءا من حياة من ينتسب إلى هديه.
وجاء بالتكافل، فلا ينبغي أن يترك المجتمع ضعيفه فريسة للحاجة والإقصاء.
وجاء بالعلم، فلا يجوز أن تتحول الأمة إلى مجرد مستهلكة لعلوم غيرها.
وجاء ببناء الإنسان، فلا ينبغي أن يكون الإنسان آخر ما نفكر فيه ونحن نبني المؤسسات والمجتمعات.
إن أعظم احتفال بالمولد النبوي هو أن تتحول الذكرى إلى وعي، والوعي إلى عهد، والعهد إلى عمل، والعمل إلى إصلاح.
وإذا كان التاريخ قد شهد كيف استطاعت الرسالة المحمدية أن تنقل الإنسان من ظلمات الجاهلية إلى آفاق التوحيد والعلم والعدل والحضارة، فإن المستقبل يظل مفتوحا أمام أمة قادرة على استعادة روح الرسالة لا مجرد مظاهرها، وعلى فهم مقاصدها لا الاكتفاء بترديد عناوينها.
وخلاصة الاستشراف أن العالم، مهما بلغ من التقدم المادي، سيظل محتاجا إلى ميزان أخلاقي يعيد للإنسان إنسانيته، وللقوة مسؤوليتها، وللعلم رسالته، وللسياسة أخلاقها، وللمجتمع رحمته.
ومن هنا، فإن ذكرى المولد النبوي ليست مجرد ذكرى ميلاد رجل عظيم، بل ذكرى ميلاد رسالة ما زالت قادرة على أن تهدي الإنسان إذا أحسن فهمها، وأن تبني المجتمع إذا أحسن تنزيل قيمها، وأن تمنح المستقبل معنى إذا جعلنا من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم نورا يسري في حياتنا.
فصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد، الرحمة المهداة، والنبي المصطفى، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين.
