المغرب: بسبب حديثه عن «الشهادة أمام الله».. الهاكا توقف برنامج «دين ودنيا» لشهر

أثار مقطع من برنامج «دين ودنيا» الذي تبثه إذاعة «شدى إف إم» نقاشاً واسعاً في المغرب، بعدما تحدث الشيخ عبد الرحمان سكاش عن المسؤولية التي يتحملها المواطن عند الإدلاء بصوته في الانتخابات، قبل أن تقرر الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري «الهاكا» توقيف البرنامج لمدة شهر.

وفي المقطع الذي أثار الجدل، قال الشيخ عبد الرحمان سكاش إن تصويت المواطن لفائدة شخص يراه مستحقاً للنصرة السياسية يمثل، من وجهة نظره، «شهادة خطيرة» أمام الله يوم القيامة.

وأضاف مخاطباً المستمعين أن التصويت ينبغي أن يكون لفائدة شخص يراه الناخب صادقاً ومعقولاً ويخاف الله ويخدم الوطن والمواطن ويحترم الدين، قبل أن ينتقل إلى التحذير من التصويت على من يعتبره الناخب «من الفاسدين»، مستعملاً أوصافاً من قبيل «نهب، سرق، احتال، خداع، استغل» و«طعن في الدين».

وقال في المقطع: «المصيبة لما تكون أنك صوتي على واحد من الفاسدين»، قبل أن يضيف، في سياق حديثه عن الحساب يوم القيامة، أن الناخب الذي يصوت لمثل هذا الشخص «غاتوقف معاه يوم القيامة» و«غاتكسب شهادة ديالو»، معتبراً أن المواطن قد يكون، بحسب اختياره، إلى جانب الصالح أو إلى جانب الفاسد.

ولم يتوقف حديث الشيخ عند هذا الحد، بل حث المواطنين على عدم الانخداع ببعض المرشحين الذين قد يظهرون أمام الناس بصورة جيدة، متسائلاً عن الأساس الذي يجعل شخصاً ما «راجل مزيان»، ومشيراً إلى أن بعض الأشخاص قد يكونون، بحسب تعبيره، «مشريين» أو «خدامين» لأغراض معينة.

وجاء قرار الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري في سياق انتخابي حساس، حيث اعتبرت الهيئة أن مضمون الحلقة وطريقة تقديمه تجاوزا مجرد النقاش حول مسؤولية المواطن في التصويت، ليرتبطا بتوظيف الصفة الدينية للمتدخل في توجيه السلوك الانتخابي.

وبحسب القرار الصادر عن الهاكا، فإن الإشكال الذي سجلته الهيئة يرتبط، من بين أمور أخرى، بمقتضيات الموضوعية والحياد والالتزامات المفروضة على خدمات الاتصال السمعي البصري، خاصة خلال الفترة الانتخابية.

وبناء على ذلك، قررت الهيئة توقيف بث برنامج «دين ودنيا» لمدة شهر، ابتداءً من 19 شتنبر 2026.

ويفتح قرار الهاكا نقاشاً أوسع في المغرب حول الحدود الفاصلة بين النصيحة الدينية والتوعية بمسؤولية المواطن من جهة، والتأثير في الاختيار الانتخابي من جهة أخرى.

فمن جهة، يتضمن كلام الشيخ دعوة واضحة إلى عدم اختيار المرشح على أساس المال أو المظاهر أو الخطاب فقط، والتدقيق في سلوكه ومدى خدمته للمواطن والوطن.

ومن جهة أخرى، فإن ربط التصويت بمسؤولية دينية أمام الله، والحديث عن الوقوف يوم القيامة إلى جانب من صوّت له، يطرح سؤالاً حول مدى تأثير الخطاب الديني عندما يقدم للمواطن في لحظة انتخابية باعتبار صوته «شهادة» ذات تبعات دينية.

وهنا تحديداً جاء تدخل الهيئة المنظمة للقطاع السمعي البصري، التي اعتبرت أن مضمون الحلقة لا يمكن فصله عن السياق الانتخابي وعن واجب الحياد والموضوعية في البرامج التي تتناول الشأن العام.

وبعيداً عن الجدل الذي خلفه قرار الهاكا، أعاد المقطع إلى الواجهة سؤالاً أساسياً في كل انتخابات: على أي أساس يختار المواطن من سيمثله؟

فالمنافسة الانتخابية لا تتعلق فقط بالأسماء والشعارات، وإنما أيضاً بالبرامج، والكفاءة، والنزاهة، والقدرة على تحمل المسؤولية وخدمة المواطنين.

غير أن الحسم في أهلية أي مرشح أو وصفه بالفساد أو النزاهة يظل مسألة تحتاج إلى وقائع ومعطيات وأحكام أو مصادر موثوقة، وليس مجرد انطباعات أو اتهامات متداولة.

وفي النهاية، يبقى صوت المواطن ورقة أساسية في العملية الانتخابية، فيما تظل مسؤولية وسائل الإعلام والبرامج الدينية والسياسية قائمة في تقديم النقاش العمومي بطريقة تحترم القانون، وتترك للناخب حرية بناء اختياره على أساس المعلومات والبرامج والوقائع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *