عوز رازييل… يهودي يحاول بناء جسور مع المغرب عبر الشاي و”الكابالا”

الوطن 24 / بقلم غزلان بلحرشي
في زمن يقاس بالسرعة ويُروض فيه البشر بالخوارزميات، يبرز سؤال جوهري: ماذا بقي من الروح والانتماء؟ بالنسبة لليهودي المغربي رازييل عوز، الجواب لا يمكن أن تعثر عليه في شاشات الهواتف والقنوات الفضائية، بل في جذور تمتد إلى فاس، مدينة العلم والفقهاء المسلمين والحاخامات اليهود التي أنجبت أجداده قبل قرون. تشبثه بجذوره ليس مجرد محاولة للحفاظ على انتماء بالدم، بل يشكل محور هويته الروحية، لذلك يصر على الحفاظ على لهجته وطقوسه المغربية وترسيخها في عقول الأجيال الجديدة من اليهود الذين نشأوا خارج المغرب، حيث يكفي أن تجالسه مرة واحدة لتكتشف الحضور القوي للقصص والأمثال الفاسية في حديثه.
يحمل عوز لقب “كابالاني” نسبة إلى الكابالا التي تعتبر نهجا صوفيا خاصا باليهود المغاربة، لكنه لا يقدم نفسه كصانع معجزات، بل كحارس لإرث عائلي يحمل وصية وقعها في القلب أقوى من حقائق الأوراق، وصية تعود لجده الحاخام يوسف دحان، الذي كان حلقة في سلسلة روحانية تعود إلى عصر ازدهار الفكر اليهودي في شمال إفريقيا. رحل الحاخام الحكيم ولم يترك لحفيده ذهبا ولا عقارات، لكنه ترك إرثا أغلى، صلوات شفهية وتعاليم صوفية تنهل من “الكابالا”، وطقوس تناقلتها القلوب قبل الألسنة جيلا بعد جيل.
انخرط عوز في مساره الروحي منذ السادسة عشرة من عمره، حيث غاص في متون “الكابالا” والعادات المغربية والنصوص التلمودية. لم يكن ذلك اختيارا مهنيا بقدر ما كان استجابة لنداء داخلي يقول عنه: “لم أنظر قط إلى هذا الأمر كمهنة، بل كان دوما مسؤولية أحملها على عاتقي”، لذلك فهو لا يتوقف عن تجسيد مبادراته عبر جلسات حوار وورشات توعية متواصلة، تهدف إلى إنارة طريق الساعين إلى هوية ثقافية أصيلة مستقرة في زمن السيولة الرقمية.
إلا أن هذه الجلسات، في جوهرها، تتجاوز حدود التوعية الثقافية إلى مرافقة روحية فردية، حيث يجد المستشيرون فيه أذنا صاغية ومرآة تعكس لهم أعماق أنفسهم، لا يعدهم بحلول خارقة ولا يستعرض الغيب، بل يمنحهم مساحة للتأمل وسط صخب الحياة، يستعيدون فيها توازنهم عبر حوار مفتوح يستلهم قيم الكابالا والتسامح. فمنهم من يأتي مثقلا بخلافات عائلية تعصف ببيته، ومنهم من فقد ثقته بنفسه بسبب مطبات تعيق طريقه، ومنهم من أنهكه الفقدان أو صار حائرا في مفترق طرق مصيري، هنا يعمل عوز على إعادة ترتيب بوصلتهم الداخلية، ليس بفرض رؤى جاهزة، بل بتقوية أدواتهم الذاتية على رؤية أمورهم من زوايا جديدة، فيكون تدخله بناء متينا للثقة المهدورة وعزاء للروح المتعبة.
من بين ملامح مبادراته الأكثر حضورا، تحضير الشاي المغربي بالأعشاب وفق طقوس موروثة، قد تعتقد أن الأمر هنا يتعلق بعمل تجاري أو بمجرد طقوس ضيافة، لكن عوز يقرأ فيه عمقا ثقافيا وامتدادا لهويته المغربية، اهتمام لم يبق حبيس جلساته الخاصة، بل حوله إلى سفير غير رسمي للجاليات اليهودية المنحدرة من أصول مغربية في الخارج، حيث يستعيد في لقاءاته ذاكرة الطقوس التي كانت حاضرة في بيوت أجدادهم، مذكرا إياهم بإرثهم الضارب في عمق المملكة، ومشجعا إياهم على التمسك بـ”حبل الوريد” مع وطنهم الأم، مؤمنا بأن تلك العادات لا يمكن أن تكون احتفالا بطقوس منقرضة، بل جسرا حيا يعيد ترميم الصلة بين الشتات والوطن الأم.
في عالم تذوب فيه الخصوصيات، يرى عوز أن مهمته تتجاوز التصوف إلى المساهمة في حفظ التراث غير المادي لليهود المغاربة كمكون أصيل من مكونات هوية المملكة الشريفة، لذلك يسعى دوما لتقديم هذه الفلسفة لأجيال جديدة، ليس كمتاحف جامدة، بل كقيم حية قابلة للتجسيد في الحياة اليومية، وهو بذلك لا يدعو إلى قطيعة مع العصر، بل إلى تآلف وتناغم بين الماضي والحاضر: “العالم الحديث يعلمنا كيف نتحرك أسرع، أما التقاليد العريقة فهي بمثابة بوصلة تنير لنا طريق المستقبل.”
لذلك فعمل عوز ليس بعيدا عن روح العصر؛ بل هو مجهود يواكب تحول التراث إلى تجربة معاصرة، عبر مبادرات تربوية وفعاليات ثقافية تحافظ على جوهر الهوية مع تحديث قوالبها، ليجسد بذلك نموذجا للفرد الذي يخرج الموروث من عزلته ليكون أداة حية لحوار حضاري عميق في سوق يعج بالسرديات المعروضة للاستهلاك.
قصة رازييل عوز لا ترتبط ب”الكابالا” كنهج صوفي يهودي مغربي فقط، بل بجهود تحاول ترجمة إرث الأجداد إلى مرآة تجيب عن أسئلة اليوم، محاولة للبرهنة على أن الماضي، حين يروى بلغة الحاضر، يصير أكثر حداثة من كل ما نبتكره، خاصة حين يظل ذلك الماضي مشدودا بحبل الوريد بين أكثر من مليون يهودي يعيشون خارج المغرب، وبين تاريخ وذاكرة أجدادهم بأرض الأولياء والصديقين. عوز لا يبتغي من وراء كل ذلك إلا غاية كبرى تتلخص في المساهمة في إرساء دعائم السلام والوئام بين الناس، متخذا من إرث الحكماء ومن روحانية الأجداد، من قيم المغاربة، جسرا لالتقاء القلوب، ليثبت أن مهمة الحارس الروحي ليست حفظ الماضي فحسب، بل جعله أداة حية لإصلاح الحاضر وتثبيت الأقدام في دروب المستقبل.
