حافلة سوق أربعاء الغرب

الوطن24/ بقلم: د. عبد القادر الدحمني
1 – نهاية الرحلة وبدايتها:
من المفترض أن تشكل بعض تواريخ المحطات النضالية في المسيرة التحررية لشعب من الشعوب، فرصة للاحتفال والاعتزاز بالقيمة النضالية والإنسانية لتلك المحطات، والوقوف إجلالا واعترافا بما قدمه المناضلون الصادقون من تضحيات جسام، وما فتحوه من آفاق، وما صنعوه من منعطفات حاسمة في حياة الشعوب، ومن المفترض كذلك أن تكون تلك التواريخ قد اكتسبت أبعادا رمزية دالّة، وصارت بمثابة مستند وجداني وتاريخي يستمد منه الشعب معاني الصمود والاعتزاز والتجذّر ويسقي منه هويّته وروحه وإرادته المستقبلية.
كانت محطّة 20 فبرار 2011 فعلا مجرّد محطة، وإشارة على وجود استعداد، وإمكانية تحقق حلم مشروع، وندرك أن نحت الأيقونات التاريخية التي ترقى إلى أن تصبح بمثابة “براديغم” يسعف في فهم دينامية شعب من الشعوب، تحتاج إلى عقود وعقود، وأن التغييرات الكبرى لا تحدث ضربة لازب، بل تتشكل عبر موجات متباعدة، تستغرق سنوات طوالا أو حتى عقودا وأجيالا، ولكن يحق لنا أن نتساءل عما آلت إليه رمزية 20 فبراير، وما طال جغرافية ذلك الحلم من انكسارات وما أصابه من تغيّرات، بفعل عامل الزمن وتأثيرات المسافة السياسية من المحطة، أو بفعل عملية المسخ والتزييف والتلفيق والانتهاك التي تعرّضت لها صورة الحركة بفعل فاعل بالموازاة مع مسارها.
وما دام الحديث قد ترسّخ عن سوق أربعاء الغرب خلال نقاش المدى النضالي للحركة وشرعية هويتها: إصلاحية أم راديكالية، وبوصف سوق أربعاء الغرب هنا ليست مجرد مدينة مهمشة شمال العاصمة الرباط (120 كلم)، بل سقفا سياسيا عبّر عنه التصريح الشهير لمحمد الساسي عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد، فإن سوق أربعاء الغرب تصلح عيّنة للنظر في مآلات حراك 20 فبراير، سواء بوصفها رمزا لسقف سياسي استمات البعض في فرضه على نضال الحركة (الملكية البرلمانية)، أو باعتبارها مدينة عرفت بدورها تجربة شبابية متواضعة في الخروج من الزمن الغرباوي المُوالي (من الموالاة)، وتكسيره الصَّمْتَ المطبق بشعارات سياسية واضحة هذه المرة.
2– أصوات المحطّة الأربعائية:
مرّت حركة 20 فبراير بسوق أربعاء الغرب، بأربع مراحل في المجمل: المرحلة الأولى، وجدت شِبْهَ أرضية تنسيقية ميدانية اسْتَبَقَتِ الحراك بيومين ونظمت وقفة كبيرة أمام باشوية المدينة مطالبة برحيل باشا المدينة يوم 18 فبراير 2011، في خطوة نضالية فاجأت السلطة وكلّفتها جهودا كبيرة لاختراق النسيج الجمعوي وكسر إرادته التكتّلية، وكان يمكن لذلك النسيج أن يشكل لبنةً صلبة للبناء وتطوير المسار النضالي في المدينة وإخراجه من حالة الجمود الغالبة عليه، لو اتّسمت ببعد النظر وغابت عنها الحسابات الصغيرة والتسويات الهامشية للمصالح الشخصية الضيقة لبعض العناصر، وتحصّنت ضد الاختراق المخزني وصمدت في وجه كل المطامع والمخاوف.
وخلال هذه المرحلة كان الحماس متوثّبا، وكان التشكّل السريع لبنية شبابية واعدة وجدت نفسها تحت ضغط ما يجري في البلدان العربية وما يشغل الرأي العام من دعوات مركزية للاحتجاج، مضطرّة للتموقع في الحلم القادم، فاجتمعت اللجنة في نسختها الأولية ب”مقهى ليبول” واتفقت على الخطوط العريضة للإعلان عن الحركة بالمدينة، وصياغة مطالبها، بعدما وقّع حوالي ثمانية أفراد فقط على بيان التأسيس، منهم عنصران داعمان من التنظيمات السياسية، هما شبيبة العدل والإحسان والحزب الاشتراكي الموحد، وضمن التشكيلة كانت هناك فتاتان فقط، انضافت إليهما مناضلتان اثنتان في أول وقفة، وقد تميّزت هذه المرحلة بالغموض وانفتاح التوقّع على كل الاحتمالات، وكانت اللبنة مع ذلك صلبة، تتكون من بضعة عناصر تعرف بالضبط ما تريد.
أما المرحلة الثانية فقد بدأت بمحاولة التحاق بعض الفعاليات، وورود دعم من أطراف المدينة وبعض القرى المحيطة بمدارها مما أعطاها بعض الزخم، كما تميّزت هذه المرحلة أيضا بالانتساب المغشوش لعدد من “مرسولي حب” السلطة، من أجل جس النبض، ومعرفة النوايا، أو لضمان موطئ قدم في المتغيرات الممكنة على الصعيد المحلي، وهي المحاولات التي سعت إلى تسريب “مناضلين” جاءوا على عجل، بدون سابق نية ولا فهم، لكن حجة 20 فبراير أنها كانت تفتح دراعيها للجميع، ولم تكن مُحَفّظة باسم أحد، ولذلك، كان الرهان على الاستمرارية والفعالية والاستقلالية، هو المعيار الوحيد لمعرفة المناضل الحق، من العنصر المدسوس.
وقد اكتفت السلطة وكذا عامة الناس خلال هذه المرحلة بالمراقبة ومحاولة الاكتشاف، إذ اجتهد مصورو السلطة وعملاؤها في إعداد قاعدة بيانات مهمة، وتكوين ملفات لكل الفعاليات المشاركة، ودراسة خريطة القرارات والتحركات، لتكوين أرضية تتيح التدخل الناجع، والتمكّن من التحرك وفق معلومات صحيحة ومضبوطة، كما سعت الحركة عبر بياناتها وجولاتها المتواضعة للتعريف بنفسها وبمطالبها، وسط ساكنة يسحقها الفقر وتنتشر فيها الأمية بنسبة معتبرة، ساكنة شبه مُغَيَّبة عن الوعي بما تعانيه في ظل فراغ نقابي وسياسي فظيع، وشبه يائسة من وجود شباب من نفس المدينة بإمكانهم الصراخ في وجه المخزن كما يحدث هناك في الرباط.
أما المرحلة الثالثة فقد عرفت مرورا سريعا إلى مرحلة تخويف بعض مؤسسي الحركة والضغط عليهم بأشكال مختلفة، كما تم تفعيل دور العملاء الذي كان منهم من يزاحم في الميدان ويلبس قميص الحركة لتحريف النضال وتمييعه وبث الإشاعات للتخويف وخلط الأوراق.
ولا يجب أن ننسى محاولة عزل الحركة عن قاعدتها الأساسية، أي المعطّلين، وهو ما أسفر عن تكتيل مجموعات منهم بوعود كاذبة أوهمتهم بالعمل القريب إن هم طردوا من صفوفهم من ينتمون لجماعة العدل والإحسان مثلا، وهكذا، بِخِسَّة نَفْسٍ وجُبْنٍ فاضح، نطق بعضُهُم سَفَهًا وهم يطردون زملاءَ لهم كأنهم فعلا واقفون بباب جنة العمل المؤكد، لتكون الاستفاقة متأخرة، على الخيبة المُفجِعة، والمذلة الشنيعة، لمن ارتضى أن يطرد زميلَ دراسَتِهِ من مجرد إمكانية زائفة لوجود لقمة عيش موعودة.
وبعدها مباشرة، جاءت مرحلة القمع المباشر، حيث تعرّض العديد من المناضلين والمناضلات للضرب المبرح والتوقيف، والمطاردات، بذلك الإخراج العجيب للزمن السياسي المخزني الزاحف صوب القرون الوسطى: وصورته الساخرة: أعوان سلطة يحمل بعضهم العصي وبعضهم الحجارة كأنهم بصدد رحلة صيد في النواحي.
وتكرر التدخل العنيف والمطاردات والإهانات في حق الثُّلَّة القليلة التي بقيت صامدة رغم القمع والتخويف، إبّان توزيعها البيان الدّاعي إلى مقاطعة الدستور الممنوح، إلى أن آلت الحركة إلى فتور ثم إلى توقُّف.
– لماذا هذا الجرد الاستطرادي لمراحل بسيطة عاشت كل المدن المغربية تقريبا أضخم وأخطر من أحداثها؟
– ليتبيَّن المأزق الحقيقي الذي رافق ميلاد الحركة ابتداءً في ظل مجتمع لم يكن مستعدا بشكل واضح لاحتضان حركَةِ شَبَابِهِ وتَبَنِّيهَا الكُلّي، وصولا إلى التماهي معها لتحقيق مطالبه.
ومأزقٌ ثانٍ تجلّى في الوضوح التام الذي ميّز البنية السياسية الحزبية في المدينة إزاء ميلاد الحركة ونضالها، وهو الابتعاد التام عن الحركة ومطالبها والتماهي الصريح مع إبقاء الوضع المتردي على ما هو عليه، باستثناء الحزب الاشتراكي الموحد وجماعة العدل والإحسان وبعض أفراد حزب التقدم والاشتراكية، وشتيت من المناضلين ذوي الأهواء اليسارية أو الإسلامية العامة.
3– أعطاب الحافلة:
لم يكن غرضي من الجرد السريع السابق، أن أؤرخ لفعل نضالي شبابي فريد في نوعيته وسقفه السياسي مرّ بمدينتي الصغيرة الهادئة، التي يسمّيها الذين يعرفون من أين تأكَل الكتف: “الكويت”، بسبب حالة الخضوع العام الذي يضرب بأطنابه منذ زمن بعيد، ونتيجة فراغ المدينة من أحزاب ممانعة قوية ترجّح كفة المجتمع على حساب كفّة سطوة أعيان مرضي عنهم دائما أبدا، وسلطة من ورائهم متعطّشة للتحكّم التّام، ولكنّها الأسئلة التي بقيت عالقة بعد التجربة، والنقاشات التي ظلت مفتوحة باستحياء وسطحية حول أزمة عشرين فبراير الحقيقية، والتي لا تخرج حسب تقديري عن ثلاث إشكاليات كبرى:
– غياب النضج الكافي لدى شركاء الحراك الفبرايري الذي يؤهلهم لممارسة النضال المشترك والاستعداد للتمييز بين المظلة الإيديولوجية والنضال مع الشعب وفق إهداف الجماهير وسقوفها، وسيطرة الهواجس النفسية الضيقة وظلال التمثلات الثابتة والمفاهيم المسكوكة، فالحراك الفبرايري كان أكبر لحظة وأوسعها مدى، احتكّت فيها التوجهات وتلاحمت ميدانيا بعيدا عن المعارك الأحادية أو دفء المقرات والاطمئنان للشبيه الموافق، فماذا فعلت القوى المعنية لتجاوز هذا الاختلال نظريا وإجرائيا؟ !
– غياب تصورات نظرية عميقة ناظمة لفعل نضالي جماعي برؤية استراتيجية هدفها التمكين لمشروع ديمقراطي حقيقي قائم على دستور يترجم إرادة الشعب الحقيقية ويؤسس للحرية والعدالة والتداول السلمي على السلطة، فرغم أن لكل تنظيم تنظيره الخاص المترجم لاستراتيجياته، إلا أن هناك ضعف بيّن في سؤال تدبير الحراك الجماعي وأجرأة الخطة النضالية العامة من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
– ضعف التشبيك الاستراتيجي لإنجاح الحراك وعدم القدرة على التأسيس لأرضية تجد فيها كل القوى الحية ذاتها، فهل ناقشنا قدرة النقابات على المشاركة في الحراك، وهل فعلا تم التواصل مع القوى الاجتماعية والاقتصادية الأساسية التي يستحيل إنجاح أي حراك بدونها.
4– من سوق الأربعاء إلى العاصمة:
إن نظرة سريعة على مآل الشباب المؤسس للحركة في مدينتي (سوق أربعاء الغرب)، تخبرنا عن هجرة جزء منهم إلى الخارج، ولَوْذِ بعضهم بالعمل الجمعوي والثقافي، وانشغال الباقي بمطاردة اللقمة الحارّة في زمن ضيق الخيارات وشح الفرص. ولذلك فإن الوضع الحالي للمدينة يخبرنا فعلا عن مآل حركة 20 فبراير بعد عشر سنوات من انطلاقتها: فقد أحكمت السلطة قبضتها على الفضاء العام، وتخلّصت من شغب التنسيق الجمعوي الوحيد الذي ناور قليلا أمام إرادة التنميط، في حين عادت الكائنات الانتخابية العتيقة للاشتغال بدون حياء، بنفس المقولات الأثريّة القديمة، ونفس الاصطفافات الضيّقة، ونفس الشعارات البئيسة التي تَعِدُ الناسَ بتغييرِ واقعٍ لا يتغيّر إلا في أوراق البرامج الكاذبة والوعود الزائفة، وصرنا مضرب المثل في التحاق من شارك في قمع الوقفات واقتحام الجمعيات بصفته السلطوية القامعة، إلى دائرة المنتخبين المشرفين على الموت السريري لمدينة وحدها بقيت في “الإنعاش” الحزين، بينما استفاقت مدن ومراكز هامشية صغيرة بجانبها وجددت سَيْرَهَا واستأنفت صُعُودَها. ضرب البعض أخماسا في أسداس وراهن على الخواء، وحصد الخيبة المضاعفة، يا للحسرة!
ولذلك أُخْبِرُ السيد محمد الساسي الذي ذكر المدينة بالصدفة بوصفها سقفا سياسيا لا يتجاوز الملكية البرلمانية، ومعه أُخْبِرُ السادة المحلّلين السياسيين والسوسيولوجيين المولعين بمحاولة قراءة حركة المجتمع وظواهره، وتحليل مساراتها وأسبابها ومآلاتها، أن مِيَاهًا كثيرة مرّت تحت الجسر، حتّى لَكَأَنّ الجسرَ نفسَهُ انزاح قليلا ووسَّع الهوّة بين ضفّة الواقع وضفّة الحلم، وها هم بعض رموز حركة عشرين فبراير بالرباط يرمون صنّارة الاحتجاج مرة أخرى، في محاولة للاصطياد في نفس النهر مرّتين، فلا فرق بين السباحة والصّيد في هذا البلد، فلكل هوايته، رغم أن هيراقليدس خصَّ باستحالته السباحة فقط.
هذا هو مآل حركة 20 فبراير في سوق أربعاء الغرب، وهي صورة مصغّرة لما وقع في المغرب بطبيعة الحال والمآل.
فهل انتهى الحلم؟ لا أبدا، هناك حالة يأس تام، وحالة غليان داخلية يائسة من الحضيض الذي وصلت إليه الممارسة السياسية، والتراجع الخطير في المكتسبات الحقوقية البسيطة التي تحققت على مرّ السنوات بالنضال المستميت، وهناك محيط إقليمي متربّص، وفي المقابل هناك أذن صمّاء لا تريد أن تلتقط الإشارة، وعقول مقلّدة مصرّة على التفكير بنفس الصيغة ونفس النمط، وهناك روح عناد مخيف يسكن بنية السلطة في البلد، يشلّ أية إمكانية لقيام إرادة سياسية للقطع مع الفساد والاستبداد.
إن التفكير بنفس الشروط السابقة وَهْمٌ حقيقي، سواء بالنسبة للفاعلين السياسيين أو بالنسبة للنظام، ولذلك فالتعويل على الضبط الإداري والتعمية الإعلامية والاستباق الأمني لن يحل الإشكاليات العويصة في هذا البلد، وفي نفس الآن يشكل التمترس المريح داخل شرنقة التنظيمات والأنساق الإيديولوجية، لن يفلح في التأسيس لفعل وطني مناضل يعي اللحظة التاريخية ويقترح نفسه على التاريخ.
