الأقحوانة الجريحة(3).. حوار في سقيفة مقهى كراندأوطيل

الوطن24/ قصة: الدكتور أحمد التهامي الجوهري.
مقهى كراند أوطيل، من المقاهي الفسيحة ذات الطراز الفرنسي الجميل. يقع في قلب سوكيل على الطريق الوطنية الوحيدة الرابطة بين شمال المغرب وجنوبه وشرقه. جدرانه مكسوة بالقرميد الأحمر، وتحيط به شجيرات النخيل الخضراء، وسياج حديدي يعلوه ستار أبيض، وتمرح في مزهرياته فصوص الخزامى بشعيرات أزهارها البنفسجية الزرقاء، وكؤوس ورود البوسكوس ببتلاتها الحمراء كألسن العذارى، وتويجاتها الأرجوانية الساحرة التي تهزها نسائم ريح خفيفة آتية من جهة أحواض الملح الشمالية. ومن كونطواره يغرد المنيطوفون بالألحان والأغاني. لطالما صدح سابقا بموسيقى الجاز والروك، وأغاني إديث بياف وشارل أزنافور وجاك بريل…

الآن رحل الفرنسيون، وبقي المنيطوفون. لكن تغيرت الأسطوانات الموسيقية، وارتفعت منه أصداء نشيد الاستقلال الجديد وسط رنين آلات النفخ والمزامير، وترديد الكورال المغربي:
” إيهِ أُمَّةَ المغربِ … إيهِ دولةَ المغربِ
نحن شبانٌ سَعَيْنا باجتهادٍ وثباتِ
ليس فينا غير ليْثٍ رامَ عزّاً في الحياةِ.”
وفي سقيفة المقهى الخارجية جلس شاب وفتى بقرب منضدة من خشب السنديان، يشربان الشاي ويتأملان في الأحداث الفاجعة. كان الفتى في ربيعه السادس عشر، متوسط القامة بطُرَّة شعر ناعمة تعلو عينين صافيتين تلمعان فضولا وذكاء. أما الشاب فثلاثيني، طويل القامة، تظلل وجهه النحيف قبعة صفراء من الدوم شبيهة بقبعات الويسترن ويزينها شريط من القماش البني، وبين يديه صحيفة. وقد بدا من هيأتيهما وفارق السن بينهما أنهما متعلمان، وأن الأمر يتعلق بأستاذ وتلميذه.
ويجب التنبيه هنا إلى أنه في المرحلة التي نحكي عنها (منتصف الخمسينات من ق20) كان هناك نوعان من المتعلمين:
المتعلم التقليدي في الجامع،
والمتعلم العصري في “السكويلة” و”الليسي”.
الأستاذ الشاب الثلاثيني والتلميذ الفتى الجالسان بمقهى كراند أوطيل من النوع الثاني.
أما الذين اقتتلوا في الحفل الوطني السوكيلي قبل أيام فمن النوعين معا، على الرغم من أن الأفعال المنكَرة التي قاموا بها قد توحي بأنهم أميون وجهلة.
نزع الأستاذ القبعة الصفراء عن رأسه، وفرش أوراق الصحيفة أمامه، ثم أشعل سيجارة كولواز، وقال:
– كم كان الاستعمار مكلِّفا! وكم هو الاستقلال مكلِّف أيضا!
رشف الفتى من فنجانه المنعنع، ثم تطلع إلى أستاذه بعينين متوقدتين، وسأله دون تردد:
– ما تفسيرك، أستاذ، لما حدث؟
رفع الأستاذ عينيه عن الصحيفة، وأخذ نفَسا عميقا من السيجارة، وقال بإيجاز فيما يشبه المثل:
– من الخيمة خرج مايل !
لم يَشْفِ هذا الجوابُ القصير فضول الفتى فقال مستفسرا:
– هل تقصد، أستاذ، أنها العشوائية التي يتبعها السقوط؟
– لا، يا عزيزي، ليس تماما. لا يمكن أن يكون دفق هذه الدماء وحدة المناجل المستعملة فيها أمرا عشوائيا، بل لا بد أن هناك شيئا ثمينا ومغريا يستحق هذا التنافس الشرس والقتال.
– ماذا تعني بالشيء الثمين؟
– من قديم الزمان كان المال واللذة سبب القتال بين الرجال، بل حتى بين الأشقاء.
– إذن في نظرك، أستاذ، كل هذه الدماء من أجل المال واللذة ؟
– لا، يا عزيزي، بل من أجل شيء آخر أهم منهما… شيء يجمعهما معا، ويضيف إليهما الجاه والمنصب وكل شيء يُسيل اللُّعاب.
– ما هو هذا الشيء الأهم؟
– السلطة.
– إذن أنت تربط حدثا جزئيا في سوكيل بالطبيعة البشرية وبصراع أزلي. أليس هذا تعميما مفرطا؟
– إن كل صراع، يا عزيزي، يَنتُج حتما عن طبقات متضاربة المصالح الاقتصادية مهما كانت عقيدتها، سواء أكانت لها رؤية فكرية أم لا. وإن الطبقة المهزومة تسعى دائما إلى رد الاعتبار لنفسها، مثلما أن الطبقة الضعيفة تسعى دائما إلى ما يسد رمقها، ويدفعها الجوع حتما إلى الزحف نحو المدن أولا، ثم إلى التمرد، أعني إلى الزحف نحو السلطة.
رشف الفتى جرعة ثانية من كأسه كمن يستغيث بحلاوة الشاي ومذاق النعناع لإزالة الغشاوة عن أجوبة أستاذه العامة، ثم بادره بسؤال دقيق لا تخلو نبرته من قلق:
– إلى أين سينتهي هذا التضارب في المصالح والتطاحن بين الأحزاب؟
– في نهاية كل صراع، يا عزيزي، هناك رابح وخاسر إلا في إفريقيا، فالرابح دائما واحد: المستعمر القديم.
– والخاسر؟ من الخاسر، أستاذ، هنا بسوكيل؟
طوى الأستاذ الصحيفة التي بين يديه، ووضع قبعته الصفراء من جديد فوق رأسه، ثم نظر بعيدا جدا إلى حيث ينتهي الشارع الطويل إلى سهل التيرس الأسود الممتد خلف المباني المنخفضة حتى الساحل الأطلسي. وبدا من نظراته الشاردة كمن يقرأ كفَّ الساحل الغربي لمدينة سوكيل، ثم نفث من شفتيه كلمات شبيهة بزفرات متحسِّرة:
– الأقحوانة، يا عزيزي، ومن غيرها؟… الأقحوانة هي الخاسر الأكبر.. ستذبل زهرتها المسكينة، وتتحطم ساقها العارية عندما ستزحف نبتة القريص(حُرِّيكَة) والأعشاب الضارة والقذارة على الحدائق. وسينقطع تغريد البلابل، ولن يبقى للشمس بريق.
– يا إلهي، هذا مخيف يا أستاذ … وماذا سيبقى للناس؟
– سيبقى لهم كثير من الجهد للأنين، ومن الوقت ليعاشروا الملل، وقليل من العقل ليميزوا بين الخيبة الكبيرة والخيبة الصغيرة.
قال الأستاذ ذلك، ثم تلاشىت نبرة صوته المتحسر تدريجيا في هزيج النشيد الوطني ونبرات آلات السكسوفون والكلارينيت التي كانت لا تزال تصدح من منيطوفون كونطوار المقهى:
” إيهِ أمَّة المغربِ… إيهِ دولةَ المغربِ
في سَما العلياء كُنّا أنجُما زُهْراَ
قد عدَلنا إذ ملَكْنا البَرَّ والبحرَ
إيهِ أمَّة َالمغربِ.. إيهِ دولةَ المغربِ.”
**
الأقحوانة والقطط السمينة:
مَرَّ الآن أكثر من ستين سنة على ذلك الحوار بين الأستاذ وتلميذه في مقهى كراند أوطيل وعلى تلك الأحداث الفاجعة لسوكيل والوطن، وقد صدقتْ تنبؤات الأستاذ ذي القبعة الصفراء، إذ استمر الصراع بعد الاستقلال، ورضخت المملكة (ولا تزال)، مثل كل بلدان إفريقيا والعالم الثالث، للديون الخارجية وما تبعها من سياسة التقويم الهيكلي والتفقير الاجتماعي للشعوب. وكانت الطبقات المتوسطة والفقيرة، والقرى والمدن الصغرى هي أكباش الفداء، وكذلك الأقحوانة الجريحة، التي لم يختلف مصيرها عن مصير قارة إفريقيا بِرُمّتها.
فقد بدأت مثلها حكاية جميلة تشع بالذهب وأنوار الحرية وتفوح بعطر الجمال، حكاية ممتعة تتوق إلى أن تنضُجَ لتصبح قصيدة شعرية رائعة يمتزج فيها النفَس الملحمي البطولي بأشواق الحب الرومنسية المزهرة والعواطف الحالمة السعيدة. وفي غمرة احتفالها وحلمها داستها أقدام رجال يشبهون القطط السمينة. وبدلا من أن يفوح عطرها الملائكي الجذاب انتشرت نكهة جديدة من بزاتهم الأنيقة وياقاتهم الرفيعة، نكهة تسمى: عطر الانتهازية!
وهكذا سُدَّ طريق الأقحوانة الشعري الملحمي والرومنسي، وتحولت حكايتها السردية الجميلة إلى فيلم درامي مأسوي عنوانه الخوف والرجاء، ومَشاهدُه سفكٌ لدماء الأشقاء، ومطاردة وهرب للأبناء، وتهريب وهجرة وغرق في البحر وتيه في العراء، أمام الأعين الغائمة لأجيال من الجماهير المتعاقبة التي وقفت مدة تزيد عن نصف قرن وظهورها مسندة إلى جدران الفقر والانتظار، ليس لها حيلة ولا أمل ولا إصرار، إلا إحصاء الحصى والدقائق المتكررة ليل نهار، والمسامير المدقوقة في أبواب موصدة من خشب العرعار، وفي ألواح التوابيت الجاهزة باستمرار.
(انتهى)
