فتى السوزوكي الطائر (حكاية أول دراجة نارية سوزوكي في سوكيل).

عن كتاب الطفولة: على رصيف زقاق النهضة.. فتى السوزوكي يسابق الحلم:
الوطن24/ بقلم: الدكتور أحمد جوهري
وانطلق الفتى بدراجته السوزوكي مبتهجا كأنه في حلم محموم. ولم يكن يرغب سوى في شيء واحد: التحليق عاليا بعيدا حتى عن الكوكب. ومنذ ذلك اللقاء مع الرجل الخرافي، زادت سرعة السوزوكي الجنونية في شوارع سوكيل، ولم تعد الوردة البيضاء تفارق جيب قميصه الكشمير الرمادي أبدا. فكان تارة يبدو فوق دراجته كالمسرنَم الذي يقود نائما بعينين مغمضتين ويداه ممدودتان إلى الأمام ورأسه إلى الخلف دون أن يرتطم بأي حاجز أو جدار أو عربة من عربات الخيول المنتشرة بكثرة في سوكيل. ثم يعود سالما في الليل إلى سريره، إلى حضن أمه الرؤوم؛ وتارة كان يبدو كأنه يبحث عن شبح ما يُلَوِّح له بيده في السماء، فيمر عبر شارع سينما النهضة الطويل محمولا بسحر فطري مثل السحر الذي يجذب عين الطفل المندهشة إلى لعبة جميلة أو دمية فاتنة، أو شعلة نار. أما الجمهور الرياضي العاشق للسباقات الميكانيكية فكان يقول إن الفتى الطائر يُقلد أبطال الراليه الراغبين في قمة المجد.
والحق أنه لم يكن يتسابق مع أي أحد. كان وحده يسابق حلمه وعدّادَ السرعة والزمن متقدما نحو يوم عرسه. لقد كان، بجملة واحدة، فتى عاشقا حالما وشجاعا. يجب التأكيد على صفة الشجاعة، لأن الشجاع الحقيقي هو الذي لا يخاف الموت، أي الذي لا يخشى انفصال روحه عن جسده. وفتى السوزوكي كان دائما محلقا بروحه وهو يمخر شوارع سوكيل الرئيسة بسرعة جنونية ذهابا وجيئة. هل كان يؤدي دور العاشق الولهان الذي يجوب شوارع بومباي بدراجته النارية بحثا عن نسيم عطر حبيبته في فيلم هندي أم كان يؤدي دور زعيم فرقة الدراجات النارية في فيلم العصابات الأمريكي؟ …
لست أدري.. الشيء الوحيد المؤكد عندي هو أن روحه لم تكن في سوكيل. الجسد وحده كان يمر أمامنا في شوارعها.. كان نائما فعلا بين السماء والأرض؛ لذلك كان ينتابني، إلى جانب إحساسي بالانبهار، شعور بالقلق.. القلق من أن تستيقظ روحه فجأة ذات يوم.
يوم الزفاف:
لكن روحه ظلت نائمة بقدرة عجيبة، ولم تستيقظ إلا بعد أن اكتمل إثمار البطيخ عشر مرات. يا للعجب! تماما كما تنبأ الرجل الأسطوري اشلايطا الذي قرأ فنجانه. وكان الفتى خلالها قد غيَّرَ دراجته النارية بسيارة سبور سوداء. فلَمّا اكتملت السنة العاشرة، كان فؤاده يخفق كإجاصة دموية ناضجة ويدق بقوة جدارَ قفصه الصدري من شدة الشوق لعروسه الخضراء، ولم يعد جسده المفعم باللوعة والدم قادرا على الانتظار أكثر.. أصبح جاهزا تماما لحفل زفافه.
وذات يوم ربيعي صاف كابتسامة الأم، لبس سترته الهيبي الزرقاء المزيَّنَة بياقة مفتوحة كفراشة أرجوانية، وغرس في جيبها الأيمن وردته البيضاء. ثم نظر إلى وجهه في المرآة وهو يُعدِّل بالمشط تسريحة شعره الإمينونس، فبدت ابتسامتُه نيِّرةً وشفافة كقطعة البلور، وفي عينيه العسليتين كان إصرار شديد على الفرح. ثم ركب سيارته السبور، وغادر أسوار سوكيل. انطلق عريسا بسرعته الفائقة وشجاعته النادرة المعهودة، وعاقدا العزم على أن لا ينام الليلة إلا في حضن عروسه.
عرس الدم:
وهناك، غير بعيد عن المدينة، كانت العروس تنتظره على حافة الطريق شجرةً خضراء فاتنة وظليلة.. كانت تميس في ثوبها السماوي تحت أشعة شمس الضحى الوديعة، وتبتسم له ابتسامة قرمزية كملاك النعيم، وتُلَوح له بضفائرها التي تلعب بها النسائم الشفافة. فلم يتمالك الفتى الطائر نفسه. ومثلما يقذف البركان حممه المنصهرة من شدة الحرارة، شعر بروحه الحارة تطير في لف ودوران مستمر، وتهتز في قفزات متتالية باتجاهها. وأحس كأن روحه تنفك عن جسده.. كأن قوة خارقة تجذبه وتنتزعها منه. ولم يستطع شيئا. اكتفى فقط بالاستسلام والإنصات لآخر شهقات الحياة.
“يا حسرتى على ماء الشباب! يا حسرتى على زهرة الدنيا!”
هذه هي العبارة التي نطق بها أحد رجال الدرك الثلاثة الذين عاينوا الحادث المروع. وكان حينها يفحص الوردة البيضاء التي تزين صدر الجثة اليانعة المضمخة برائحة الدم الحار وعبق ضفائر أوراق الكلبتوس الزكية، هناك أسفل جذع الدوحة الخضراء.. وحينها كان نسيم الصباح عليلا لكنه بارد جدا…
