حوار خاص: الدكتور أحمد الدرداري لـ «الوطن24»: أحداث سبتة تكشف هشاشة سياسات الهجرة الأوروبية وتضع مستقبل الاتحاد الأوروبي أمام اختبار جديد (الجزء الأول).

الوطن24/ هيئة التحرير

في ظل التطورات التي شهدتها مدينة سبتة، بعد التدفق الكبير للمهاجرين غير النظاميين نحو المدينة، عاد ملف الهجرة إلى صدارة النقاش داخل أوروبا، وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبل السياسات الأوروبية في مجال الهجرة وأمن الحدود، وحول مكانة المغرب كشريك استراتيجي في تدبير هذا الملف المعقد.

ولفهم أبعاد هذه التطورات وانعكاساتها السياسية والأمنية والإنسانية، استضافت الوطن24 الدكتور أحمد الدرداري، الأستاذ الجامعي والخبير الدولي في السياسات العمومية والأمنية وقضايا الهجرة، الذي قدم قراءة تحليلية لمستقبل هذا الملف، وللتحديات التي تواجه الاتحاد الأوروبي، ودور المغرب في تدبير الهجرة على المستويين الإقليمي والدولي.

الوطن24:هل يمكن لتدفق المهاجرين نحو سبتة أن يكون بداية لخلافات أعمق داخل الاتحاد الأوروبي؟

الدكتور أحمد الدرداري: في البداية، يمكن القول إن ملف الهجرة يعد من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، وهو ملف تشرف عليه مديرية الهجرة ومراقبة الحدود التابعة لوزارة الداخلية، كما يحظى بمتابعة ملكية دقيقة، بالنظر إلى أبعاده الأمنية والإنسانية والاستراتيجية.

ومن هذا المنطلق، يبرز سؤال جوهري: هل يراعى المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي حجم الدور الذي يضطلع به المغرب في استقبال آلاف المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء؟

فالمغرب لم يعد مجرد بلد عبور، بل أصبح يدير سياسة عمومية للهجرة، وتحول إلى بلد إقامة واستقبال، في إطار مقاربة تجمع بين الأبعاد الإنسانية والأمنية والتنموية.

أما ما حدث في سبتة، فقد أحدث بالفعل نقاشاً وخلافات داخل الاتحاد الأوروبي، ويؤشر، في حد ذاته، إلى بداية تغير في مواقف عدد من الدول الأوروبية تجاه ملف الهجرة، كما يكشف عن إمكانية تعميق عدد من الأزمات التي يواجهها الاتحاد، وفي مقدمتها الهجرة وأمن الحدود، خاصة مع تصاعد الخطابات الشعبوية التي تتبنى أحياناً مقاربات ذات طابع إقصائي أو عنصري تجاه الأجانب.

كما أن الضغوط التي تواجهها إسبانيا نتيجة تدفقات الهجرة تطرح، بجدية، أسئلة حول الإمكانيات المتاحة، والإرادة السياسية، وفعالية المقاربة الأوروبية المعتمدة، وهي بذلك تخرج الملف من كونه شأناً إسبانياً إلى كونه قضية أوروبية بامتياز.

الوطن24:هل يمكن أن تتحول هذه الأزمة إلى تهديد حقيقي لوحدة الاتحاد الأوروبي؟

الدكتور أحمد الدرداري: على المدى القريب، يمكن القول إن ما حدث في سبتة يمثل ضغطاً أمنياً وإنسانياً على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، لكنه، في المقابل، قد يدفع أيضاً إلى مراجعة أساليب التعاطي مع ملف الهجرة حفاظاً على تماسك الاتحاد.

فالاتحاد الأوروبي سبق أن واجه أزمات أكبر، من بينها أزمة الهجرة سنة 2015، وخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، وجائحة كورونا، ثم الحرب في أوكرانيا، وتمكن رغم ذلك من الاستمرار والحفاظ على بنيته المؤسساتية، رغم ما رافق تلك المحطات من خلافات داخلية.

ويعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مؤشراً على حجم التحولات التي عرفتها القارة خلال السنوات الأخيرة، والتي تلتها أزمات دولية متلاحقة، ولا تزال احتمالات بروز أزمات جديدة قائمة في ظل سياق دولي يتسم بتصاعد الصراعات وإعادة تشكيل موازين القوى والعلاقات الدولية.

أما على المدى البعيد، فإذا تكررت موجات الهجرة بوتيرة أكبر، واستمرت الدول الأوروبية في الانقسام بشأن كيفية تقاسم المسؤولية، فقد يؤدي ذلك إلى تشديد السياسات الحدودية، وصعود الأحزاب اليمينية المتشددة، وتراجع الثقة في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن تصاعد الخلافات بين الدول الأعضاء حول تقاسم أعباء الهجرة واللجوء.

غير أن هذه التطورات، في المقابل، قد تدفع الاتحاد الأوروبي أيضاً إلى تعزيز آليات التنسيق الأمني والهجرة، كما حدث عقب أزمات سابقة.

الوطن24:كيف تقرؤون موقع المغرب في هذه المعادلة؟

الدكتور أحمد الدرداري: إن ما وقع في سبتة يكشف بوضوح أن الهجرة لم تعد مجرد قضية إنسانية، بل أصبحت ورقة ذات أبعاد جيوسياسية وأمنية.

فالمغرب يمثل اليوم شريكاً محورياً في تدبير الحدود الجنوبية لأوروبا، وأي خلل في مستوى التعاون بين الرباط ومدريد أو بين المغرب وبروكسل ينعكس سريعاً على الواقع الميداني.

كما أصبح الاتحاد الأوروبي أكثر إدراكاً لاعتماده على دول الجوار، وفي مقدمتها المغرب، في إدارة تدفقات الهجرة، وهو ما يجعل من التعاون الثنائي ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار سياسي.

لذلك، فإن القراءة الأكثر دقة لما حدث في سبتة هي أنه إنذار جديد وضع على طاولة الاتحاد الأوروبي، وكشف هشاشة تدبير ملفي الحدود والهجرة، كما اختبر قدرة الاتحاد على الحفاظ على التضامن بين أعضائه في مواجهة الضغوط الخارجية.

وفي الوقت نفسه، يفرض هذا الوضع إعادة التفكير في مستقبل العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وما قد يترتب عنها من آثار سياسية وأمنية واقتصادية خلال السنوات المقبلة.

الوطن24:لماذا غابت، في نظر كثيرين، المقاربة الإنسانية في التعامل مع المهاجرين خلال هذه الأحداث؟

الدكتور أحمد الدرداري: للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي التمييز بين الاعتبارات الإنسانية من جهة، والاعتبارات القانونية والأمنية من جهة أخرى.

فمن منظور الحكومة الإسبانية، هناك عدة اعتبارات تفسر تشددها، أولها حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، حيث تعتبر إسبانيا أن سبتة تمثل إحدى حدوده الخارجية، رغم أن رئيس الحكومة الإسبانية سبق أن صرح بأن سبتة ومليلية لا تدخلان ضمن فضاء “شنغن”.

كما ترى السلطات الإسبانية أن تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين قد يشجع على موجات هجرة جديدة، إضافة إلى محدودية القدرة الاستيعابية لاستقبال آلاف الوافدين خلال فترة وجيزة، فضلاً عن الاعتبارات الأمنية المرتبطة بصعوبة التحقق من هويات جميع الوافدين في وقت قصير.

لكن، في المقابل، وجهت منظمات حقوق الإنسان وعدد من الجهات الأوروبية انتقادات قوية لإسبانيا، معتبرة أن بعض الإجراءات لم تكن منسجمة بالكامل مع المعايير الإنسانية والقانون الدولي.

ومن أبرز هذه الانتقادات:

*الإعادة السريعة لبعض المهاجرين دون دراسة فردية لكل حالة.

*استخدام القوة في بعض عمليات ضبط الحدود.

*عدم توفير الحماية الكافية للفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها القاصرون.

وهنا يظهر التناقض الواضح؛ فالذي يقدم نفسه مدافعاً عن حقوق الإنسان يجد نفسه، عند تعرض حدوده لضغط كبير، يميل إلى تغليب الاعتبارات الأمنية على الاعتبارات الإنسانية.

ومع ذلك، فإن وصف التعامل الإسباني بأنه “غير إنساني” يبقى محل نقاش، إذ تؤكد الحكومة الإسبانية أنها تطبق قوانينها الوطنية وتشريعات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالحدود والهجرة، بينما ترى المنظمات الحقوقية أن بعض الممارسات تجاوزت ما تفرضه الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وفي نهاية المطاف، فإن المفاضلة بين مقتضيات الأمن ومتطلبات الإنسانية تظل من أكثر الإشكالات تعقيداً في العلاقات الدولية، حيث تتداخل اعتبارات القانون والسياسة والأمن وإدارة الحدود، ويستمر الجدل حول مدى نجاح السلطات الإسبانية في تحقيق التوازن بين حماية حدودها واحترام الكرامة الإنسانية للمهاجرين.

الوطن24:

في ختام هذا الجزء الأول من الحوار، تتقدم الوطن24 بجزيل الشكر إلى الدكتور أحمد الدرداري على هذه القراءة التحليلية التي سلطت الضوء على الأبعاد السياسية والأمنية والإنسانية لأحداث سبتة، وانعكاساتها على مستقبل سياسات الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي، وعلى موقع المغرب كشريك استراتيجي في تدبير هذا الملف المعقد.

وتعلن “الوطن24” لقرائها أن هذا الحوار سيُستكمل في حلقات أخرى تُنشر تباعاً خلال الأيام المقبلة، حيث سيتناول الدكتور أحمد الدرداري عدداً من المحاور والملفات المرتبطة بقضايا الهجرة، والتعاون المغربي الأوروبي، والتحولات الجيوسياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة، إلى جانب قراءات معمقة لعدد من القضايا ذات الراهنية.

ترقبوا الجزء الثاني قريباً… حصرياً على “الوطن24”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *