هدي الجمعة… حين يطمئن القلب بذكر الله

في زحام الحياة، تتعب الروح قبل أن يتعب الجسد، ويضيق القلب بما تحمله الأيام من هموم وانشغالات ومخاوف. وقد يملك الإنسان من أسباب الراحة ما يملكه، ثم لا يجد في قلبه سكينة؛ لأن السكينة ليست دائما فيما نملك، وإنما فيما يستقر في القلب من يقين بالله.

ومن هنا يأتي ذكر الله، لا باعتباره مجرد كلمات تتحرك بها الشفاه، وإنما باعتباره حياة للقلب، وصلة بين العبد وربه، وعودة للروح إلى موطنها الحقيقي.

قال الله تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

تأملوا هذا التعبير القرآني الجميل: تطمئن القلوب.

فالطمأنينة ليست غياب المشكلات، ولا تعني أن الحياة ستخلو من الابتلاءات، وإنما أن يواجه الإنسان ما يأتيه من الحياة وقلبه معلق بالله، يعلم أن له ربا لا يضيعه، وأن وراء كل قدر حكمة، وأن بعد العسر يسرا، وأن ما عند الله خير وأبقى.

وقد يكون الإنسان محاطا بالناس، لكنه يشعر بالوحشة؛ وقد يجلس وحيدا، وقلبه عامر بالأنس بالله.

ذلك أن الوحدة الحقيقية ليست أن تخلو من الناس، وإنما أن يخلو القلب من المعنى.

والذكر يعيد للإنسان هذا المعنى؛ فيستغفر حين يخطئ، ويحمد حين ينعم، ويكبر حين يرى عظمة الله، ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله حين يشعر بثقل ما لا يستطيع حمله.

وفي يوم الجمعة، حيث تتجدد صلة المؤمن بربه، لعل أجمل ما نحمله معنا ليس فقط كثرة الكلمات، وإنما قلب أكثر صفاء، ونفس أكثر هدوءا، وروح أكثر ثقة بالله.

فلنجعل لنا في هذا اليوم لحظة نبتعد فيها عن ضجيج الدنيا، ونقترب فيها من الله.

لحظة نراجع فيها قلوبنا قبل أعمالنا، ونستغفر عن تقصيرنا، ونحمد الله على ما أنعم به علينا، ونفوّض إليه ما عجزنا عن تغييره.

فكم من أمر أقلقنا بالأمس، ثم جاء اليوم فأدركنا أن الله كان يدبره لنا بلطف لا نراه.

وكم من باب ظنناه مغلقا، فإذا بالله يفتح لنا من حيث لا نحتسب.

وكم من دعاء تأخر جوابه، ثم اكتشفنا أن التأخير كان جزءا من الرحمة.

هكذا يتعلم القلب المؤمن أن يقول في كل أحواله:

يا رب، اختر لي، فإني لا أحسن الاختيار كما تحسن أنت.

وفي الجمعة، نحتاج إلى أن نستريح قليلا من الركض خلف الدنيا، وأن نمنح أرواحنا فرصة للعودة إلى الله.

فإذا اطمأن القلب بالله، لم تعد الحياة تخيفه كما كانت؛ لأنه يعلم أن وراءها ربا رحيما، وأنه مهما اضطربت الأيام، فإن رحمة الله أوسع من كل ضيق.

اللهم اجعل قلوبنا مطمئنة بذكرك، عامرة بحبك، راضية بقضائك، واثقة برحمتك، واجعل لنا في هذا اليوم المبارك نصيبا من السكينة والمغفرة والرضوان.

جمعة مباركة، وقلوب مطمئنة بالله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *