هل تغيرت موازين الخطاب حول سبتة ومليلية؟ المغرب يربح معركة السردية والدبلوماسية

الوطن24/ مدريد
أعادت التطورات الأخيرة المرتبطة بمدينة سبتة المحتلة ملف المدينتين المحتلتين، سبتة ومليلية، إلى صدارة النقاش الإعلامي والسياسي، ليس فقط داخل المغرب وإسبانيا، بل أيضاً على المستوى الدولي، بعدما تحولت القضية من ملف حدودي تقليدي إلى موضوع يحظى باهتمام متزايد في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
وفي خضم هذا الجدل، برزت داخل بعض المنابر الإعلامية الإسبانية أصوات ناقدة اعتبرت أن المغرب نجح، خلال السنوات الأخيرة، في فرض مقاربة جديدة تجاه هذا الملف، تقوم على الجمع بين التحرك الدبلوماسي، والقوة الاقتصادية، والتواصل الإعلامي، بما جعل الرواية المغربية تحظى بحضور أكبر في النقاش الدولي.
معركة السردية… من الإعلام المحلي إلى النقاش العالمي
لم يعد الحديث عن سبتة ومليلية يقتصر على كونه شأناً إسبانياً داخلياً، بل أصبح موضوعاً متداولاً في الإعلام الدولي ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث يبرز بشكل متكرر التذكير بالموقع الجغرافي للمدينتين داخل التراب الإفريقي، وباستمرار الخلاف السياسي بين الرباط ومدريد بشأن مستقبلهما.
ويرى متابعون أن المغرب نجح في جعل هذا الملف حاضراً في النقاش الدولي، بعدما كان لسنوات طويلة محصوراً في الرواية الإسبانية، وهو ما دفع عدداً من المحللين الإسبان إلى الاعتراف بأن مدريد أصبحت تواجه تحدياً متزايداً في الدفاع عن سرديتها التقليدية أمام الرأي العام العالمي.
الاقتصاد… ورقة ضغط جديدة
شكلت المشاريع الاقتصادية الكبرى التي أطلقها المغرب في شمال المملكة، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، نقطة تحول في موازين القوة الاقتصادية بالمنطقة.
فقد ساهمت هذه المشاريع في إعادة رسم خريطة المبادلات التجارية واللوجستية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي في سبتة، التي فقدت جزءاً مهماً من دورها التقليدي بعد إغلاق التهريب المعيشي وتعزيز البنية التحتية المغربية.
ويعتبر خبراء أن هذا التحول جعل الاقتصاد المغربي أكثر قدرة على المنافسة، ورسخ موقع المملكة كمركز لوجستي إقليمي، في مقابل تراجع أهمية النموذج الاقتصادي الذي اعتمدت عليه المدينتان لعقود.
دبلوماسية هادئة تحقق مكاسب
اعتمد المغرب خلال السنوات الأخيرة سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات وتعزيز حضوره داخل القارة الإفريقية وعلى المستوى الدولي، بالتوازي مع توسيع شبكة علاقاته مع عدد من القوى الكبرى.
ويرى مراقبون أن هذه المقاربة مكنت الرباط من تعزيز موقعها التفاوضي في العديد من الملفات، وأكدت أن المملكة أصبحت تمتلك هامشاً أوسع للدفاع عن مصالحها الاستراتيجية وفق رؤية طويلة المدى.
الإعلام… معركة لا تقل أهمية
أثبتت الأحداث الأخيرة أن الرأي العام العالمي لم يعد يتشكل فقط عبر القنوات التلفزيونية التقليدية، بل أصبح الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي عاملاً مؤثراً في صناعة الصورة والرواية.
وفي هذا السياق، برز المحتوى المغربي بشكل لافت، سواء عبر وسائل الإعلام الوطنية أو المبادرات الرقمية، ما ساهم في إيصال وجهة النظر المغربية إلى جمهور دولي واسع، في وقت وجدت فيه بعض وسائل الإعلام الإسبانية نفسها مضطرة للتعامل مع أسئلة جديدة لم تكن مطروحة سابقاً بهذا الزخم.
رؤية مغربية قائمة على الشرعية والحوار
تؤكد المملكة المغربية باستمرار أن موقفها من سبتة ومليلية يستند إلى قناعة تاريخية وسيادية تعتبر المدينتين جزءاً من التراب المغربي، مع التشديد في الوقت نفسه على أن معالجة هذا الملف ينبغي أن تتم في إطار الحوار والوسائل السلمية، واحترام مبادئ القانون الدولي والعلاقات الثنائية.
وبينما يستمر الجدل السياسي والإعلامي، يبدو أن المغرب نجح في تثبيت حضوره كفاعل إقليمي مؤثر، مستفيداً من قوته الاقتصادية، ودبلوماسيته النشطة، وتنامي حضوره الإعلامي، وهو ما يجعل ملف سبتة ومليلية مرشحاً للبقاء ضمن القضايا المطروحة بقوة خلال المرحلة المقبلة.
ويبقى مستقبل هذا الملف رهيناً بالتطورات السياسية والإقليمية، لكن المؤكد أن المغرب استطاع، خلال السنوات الأخيرة، أن يعيد رسم موازين النقاش، وأن يفرض حضوره كطرف واثق من خياراته، يعتمد على التنمية والدبلوماسية الهادئة لتعزيز موقعه على الساحة الدولية.
