المغرب/ سعاد فريقش تضع وزير الأوقاف أمام أسئلة العدالة المجالية وكرامة القيمين الدينيين وانتظارات مغاربة العالم

الوطن24/ كتب: عبد الهادي العسلة (الرباط)
وضعت النائبة البرلمانية ذ. سعاد فريقش، عن المجموعة النيابية لتحالف اليسار، عدداً من الملفات المرتبطة بتدبير الشأن الديني بالمغرب على طاولة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، داعية إلى جعل العدالة المجالية والشفافية وتحسين الأوضاع الاجتماعية للقيمين الدينيين مرتكزات أساسية في تنزيل السياسات العمومية للقطاع.
وجاء ذلك خلال تدخلها، يوم الخميس 5 نونبر 2026، أمام لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية وشؤون الهجرة والمغاربة المقيمين بالخارج بمجلس النواب، في إطار مناقشة مشروع الميزانية الفرعية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية برسم سنة 2027، بحضور الوزير.

وأكدت فريقش، بصفتها عضوة باللجنة وممثلة للمجموعة النيابية لتحالف اليسار، أن تدبير الشأن الديني ينبغي أن يستند إلى قيم الوسطية والاعتدال والتسامح، وإلى مبادئ المساواة والتضامن الاجتماعي واحترام الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور، معتبرة أن مناقشة الميزانية تشكل مناسبة لمساءلة حصيلة السياسات العمومية ومدى قدرتها على الاستجابة لانتظارات المواطنين، خصوصاً في المناطق القروية والنائية والمهمشة.
العدالة المجالية وتأهيل المساجد
وفي محور البنيات الدينية، أثارت النائبة البرلمانية مسألة التفاوت في توزيع التجهيزات والاستثمارات بين المدن والمناطق القروية والجبلية، متسائلة عن مدى كفاية الاعتمادات المخصصة للاستثمار لتلبية حاجيات تأهيل المساجد وصيانتها، وضمان شروط السلامة والولوجيات والنظافة.
كما استحضرت الرقم المتداول بشأن إغلاق أكثر من 1400 مسجد، معتبرة أن استمرار إغلاق عدد من المساجد يطرح تحدياً يستدعي معالجة مستعجلة، من خلال وضع برنامج واضح لإعادة التأهيل، يتضمن آجالاً محددة وأولويات مجالية واعتمادات مالية معلنة.
وفي هذا السياق، استحضرت فريقش حالة مسجد البلوك، المعروف باسم مسجد عمر بن الخطاب، بمدينة سيدي قاسم، والكائن بطريق طنجة، والذي ظل مغلقاً منذ أكثر من ثلاث سنوات بدعوى وجود تصدعات وتشققات في بنايته، بعدما قامت لجنة تابعة للعمالة بزيارته واتخذت قرار إغلاقه.
وأضافت أن الأمر لم يتوقف عند إغلاق المسجد، بل امتد، بعد حوالي سنتين، إلى هدم جزء من بيت الإمام المحاذي لمحراب المسجد، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن مآل هذا المرفق الديني والإجراءات المتخذة لمعالجة وضعيته وإعادة فتحه أمام المصلين.
وفي هذا الإطار، وجهت النائبة البرلمانية سؤالاً مباشراً إلى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، متسائلة: إلى متى سيظل هذا المسجد مغلقاً في وجه مصلّي الأحياء المجاورة، الذين يجدون عناءً في التنقل إلى مساجد أخرى لأداء صلواتهم؟
وتكتسي هذه الحالة أهمية خاصة في سياق النقاش حول العدالة المجالية، إذ تضع أمام الوزارة مسؤولية توضيح أسباب استمرار الإغلاق، ومآل الدراسات التقنية والإجراءات المرتبطة بإعادة التأهيل، والجدول الزمني المرتقب لإعادة فتح المسجد، بما يضمن حق الساكنة في الاستفادة من خدماته الدينية في ظروف آمنة وملائمة.
وشددت فريقش على ضرورة اعتماد معايير منصفة وشفافة في توزيع الاستثمارات، مع إعطاء الأولوية للمناطق القروية والجبلية التي تعاني خصاصاً في البنيات والتجهيزات، وضمان استفادة الأشخاص في وضعية إعاقة من الولوج إلى المساجد في ظروف ملائمة.

أوضاع القيمين الدينيين في صلب المساءلة
وفي ما يتعلق بالموارد البشرية، دعت فريقش إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية والمهنية للأئمة والخطباء والمؤذنين والمرشدين والمرشدات، معتبرة أن هذه الفئات تضطلع بأدوار أساسية في التأطير الديني والتربوي، وتحتاج إلى شروط عمل تحفظ كرامتها واستقرارها.
وطالبت بمراجعة تدريجية ومنصفة للتعويضات، وتحسين ظروف العمل والسكن، وإيلاء عناية خاصة للقيمين الدينيين المسنين الذين يعيش بعضهم أوضاعاً اجتماعية صعبة، إلى جانب إرساء برامج للتكوين المستمر وتوضيح المسارات المهنية وشروط الاستفادة من الحقوق الاجتماعية.
الأوقاف بين تثمين الممتلكات والشفافية في العائدات
أما بخصوص تدبير الأوقاف، فقد أكدت النائبة أن الرصيد الوقفي يشكل ثروة عقارية واقتصادية مهمة، الأمر الذي يقتضي تدبيره وفق مبادئ الحكامة الجيدة والنجاعة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتساءلت عن مدى تقدم عمليات جرد الممتلكات الوقفية وتسوية وضعيتها القانونية، وعن حصيلة تثمينها واستثمارها، ومدى انعكاس عائداتها على المناطق الفقيرة والمهمشة.
كما دعت إلى نشر معطيات دورية واضحة بشأن مداخيل الأوقاف ومصاريفها والمشاريع الاستثمارية المنجزة أو المبرمجة، مع تعزيز آليات التتبع والتقييم وقياس الأثر الاجتماعي، بما يضمن احترام شروط الواقفين والمقتضيات القانونية المنظمة لهذا القطاع.
التعليم العتيق ومحو الأمية والتمكين الاجتماعي
وفي محور التعليم العتيق، شددت فريقش على أهمية تحسين ظروف الدراسة والإيواء والتكوين، وتعزيز الجسور التي تتيح للمتعلمين فرص الاندماج في المنظومة التعليمية الوطنية.
كما دعت إلى تطوير برامج محو الأمية داخل المساجد، مع توجيه اهتمام خاص إلى النساء والفئات الهشة، وعدم الاقتصار على تعلم القراءة والكتابة، بل إدماج المهارات الرقمية الأساسية بما يعزز الاستقلالية الاجتماعية والاقتصادية للمستفيدين.
خطاب ديني يواكب تحولات المجتمع
وبخصوص التأطير الديني، أكدت المتدخلة أهمية تجديد الخطاب الديني بما يعزز قيم التسامح وقبول الاختلاف والمساواة ونبذ الكراهية والتطرف، مع إيلاء اهتمام أكبر للشباب وللمحتوى الرقمي الذي أصبح مؤثراً في تشكيل الوعي والسلوك.
واعتبرت أن التأطير الديني مطالب بمواكبة التحولات المجتمعية، وربط القيم الدينية بمبادئ المواطنة والحقوق والواجبات، في إطار يحافظ على الثوابت الدينية والوطنية ويعزز ثقافة الحوار والتعايش.

مغاربة العالم وأسئلة التأطير الديني
ولم تغفل فريقش أوضاع مغاربة العالم، مستحضرة التحديات التي تواجه عدداً من أفراد الجالية المغربية، خصوصاً الشباب، في بلدان الإقامة، من قبيل التمييز والعنصرية وصعوبات الاندماج وما قد يترتب عنها من شعور بالاغتراب.
وأشارت إلى أن بعض الشباب يعيشون إحساساً بالابتعاد عن مجتمع الإقامة، وقد يجدون أنفسهم، في الوقت ذاته، أمام صعوبات في تعزيز ارتباطهم بالوطن الأم وهويتهم الثقافية والدينية.
وفي هذا السياق، تساءلت عن المعايير المعتمدة في اختيار وتأهيل المشرفين على التأطير الديني بالخارج، وعن مدى مراعاة خصوصيات المجتمعات المستقبلة وسياقاتها الثقافية والاجتماعية، بما يضمن خطاباً دينياً متوازناً وقادراً على مواكبة انتظارات مغاربة العالم.
الحج والعمرة: سلامة الحجاج وجودة التأطير
كما أثارت النائبة موضوع تنظيم رحلات الحج والعمرة، مؤكدة ضرورة توفير التأطير والمواكبة اللازمين للحجاج، منذ مرحلة السفر مروراً بأداء المناسك وصولاً إلى العودة، مع جعل سلامتهم وكرامتهم وجودة الخدمات المقدمة لهم في صلب الاهتمام.

الحكامة لا تقاس بحجم الميزانية فقط
وفي خلاصة تدخلها، شددت ذ. سعاد فريقش على أن نجاح السياسات العمومية في تدبير الشأن الديني لا يقاس بحجم الميزانية المرصودة وحده، بل بمدى انعكاس الاعتمادات المالية على حياة المواطنين، وبقدرتها على تحقيق الإنصاف المجالي وتحسين الخدمات وصون كرامة العاملين في القطاع.
ودعت الوزارة إلى تقديم أجوبة عملية ومؤطرة بآجال واضحة بشأن إعادة فتح المساجد المغلقة، وتحسين الأوضاع الاجتماعية للقيمين الدينيين، وتثمين الممتلكات الوقفية وتعزيز الشفافية في تدبير عائداتها.
ويعكس هذا التدخل، وفق مضامينه، توجهاً نحو إخضاع تدبير الشأن الديني لمساءلة ترتبط بالنتائج والأثر الاجتماعي، بما يجعل الإنصاف والشفافية وجودة الخدمات عناصر أساسية في تقييم أداء القطاع.
