فرنسا.. الشارع يعود للاحتجاج ضد غلاء المعيشة.. 70 ألف عنصر أمن في حالة استنفار وإغلاق 16 محطة مترو بباريس

الوطن24/ باريس
تعيش فرنسا، اليوم السبت 7 نونبر 2026، على وقع جولة جديدة من الاحتجاجات الاجتماعية المناهضة لغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، في رابع سبت متتالٍ من التعبئة الشعبية، وسط إجراءات أمنية استثنائية واستنفار واسع لمختلف الأجهزة الأمنية، تحسباً لاحتمال اتساع رقعة الاحتجاجات أو خروجها عن المسارات المسموح بها.
وتأتي هذه التحركات بعد يوم التعبئة الذي شهدته البلاد الخميس الماضي، والذي أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية أن عدد المشاركين فيه بلغ نحو 575 ألف شخص، بينما قدمت النقابات تقديرات تفوق ذلك بثلاث مرات، في مؤشر جديد على استمرار التباين بين السلطات والمنظمات النقابية بشأن الحجم الحقيقي للاحتجاجات.
وتتوقع تقديرات إعلامية مشاركة تتراوح بين 30 ألفاً و60 ألف شخص في تحركات السبت بمختلف أنحاء البلاد، في وقت تبدو فيه العاصمة باريس مرة أخرى في قلب المشهد الاحتجاجي.
باريس.. مسيرة نقابية مرخصة وتحدٍّ من السترات الصفراء
في العاصمة الفرنسية، تنطلق المسيرة النقابية الرئيسية ابتداءً من الساعة الثانية بعد الزوال من ساحة الجمهورية (Place de la République)، باتجاه ساحة الأمة (Place de la Nation)، مروراً بجادة فولتير، وفق المسار الذي وافقت عليه السلطات الأمنية.
وتشارك في هذه التعبئة تنظيمات نقابية وطلابية وشبابية، ترفع مطالب اجتماعية تتعلق بتحسين الأجور، والدفاع عن القدرة الشرائية، ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب المطالبة بإجراءات أكثر فعالية لفائدة الشباب والفئات المتضررة من الضغوط الاقتصادية.
وفي تطور يعكس استمرار التباين داخل مكونات الحراك الاحتجاجي، تتمسك حركة السترات الصفراء بتنظيم تجمع منفصل في ساحة الكونكورد (Place de la Concorde)، رغم قرار محافظة شرطة باريس منع هذا التجمع.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى الرمزية السياسية لساحة الكونكورد وموقعها وسط العاصمة، وما قد يترتب عن محاولة الوصول إليها من احتكاكات مع قوات الأمن، خصوصاً في ظل التحذيرات الرسمية من التجمعات غير المرخصة والتحركات العفوية.
16 محطة مترو مغلقة.. اضطرابات في شبكة النقل الباريسية
وبالتزامن مع الاحتجاجات، أعلنت شركة النقل المستقل بباريس (RATP) عن إغلاق 16 محطة مترو وقطارات حضرية، بناءً على طلب محافظة الشرطة ولدواعٍ أمنية مرتبطة بتأمين التحركات الاحتجاجية.
وتشمل المرحلة الأولى من الإغلاق، ابتداءً من الساعة الخامسة والنصف صباحاً، محطات شارل ديغول إيتوال، والأرجنتين، وجورج الخامس، والتويلري، وفرانكلين روزفلت، وميسترونيل، وكونكورد، وحقول إليزيه كليمنصو.
واعتباراً من الساعة العاشرة صباحاً، امتدت الإجراءات لتشمل محطات أوبركامبف، وريشار لونوار، وسان أمبواز، وفولتير، وشارون، ورو دي بوليه، وشاتليه، ولي زال.
كما تقرر تعليق حركة القطارات على جزء من الخط السادس بين محطتي كليبر وشارل ديغول إيتوال، وعلى جزء من الخط الحادي عشر بين شاتليه وهوتيل دو فيل.
وتم ربط إعادة فتح المحطات بالحصول على موافقة محافظة الشرطة، ما يعني أن عودة حركة النقل إلى وضعها الطبيعي ستظل مرتبطة بتطور الوضع الأمني وانتهاء الإجراءات المرتبطة بالاحتجاجات.
70 ألف شرطي ودركي.. فرنسا تعتمد خطة أمنية واسعة
في مواجهة هذه التحركات، قررت وزارة الداخلية الفرنسية إعادة تفعيل المنظومة الأمنية الواسعة التي جرى اعتمادها خلال الأسابيع الماضية، بتعبئة نحو 70 ألف شرطي ودركي على المستوى الوطني، بمن فيهم العناصر العاملة في الوحدات الترابية.
ويضم الجهاز الأمني 110 وحدات متنقلة، إلى جانب 25 مدرعة من طراز «Centaures» التابعة للدرك الوطني، فضلاً عن وسائل تدخل ومراقبة أخرى تشمل مدرعات ووسائل تفريق الحشود ومروحيات وطائرات مسيرة.
وقال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إن السلطات تتعامل بجدية مع المخاطر المرتبطة بالدعوات إلى تنظيم تجمعات غير مؤطرة، مشيراً إلى أن بعض الدعوات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي تتضمن تحريضاً على العنف والتخريب والاعتداء على الممتلكات.
وشدد الوزير على أن الدولة ستعمل على ضمان حق المواطنين في التظاهر السلمي، مع اتخاذ إجراءات حازمة في مواجهة أعمال العنف والنهب والتخريب.
كما تقرر تشديد المراقبة على المحاور الطرقية ومحطات القطار والمنافذ المؤدية إلى بعض المدن، في محاولة لمنع وصول أدوات قد تستعمل في أعمال العنف، وحماية المرافق العامة والمحلات التجارية.
احتقان اجتماعي يضع حكومة لوكورنو أمام اختبار جديد
ولا يمكن قراءة هذه الاحتجاجات بمعزل عن السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه فرنسا، حيث لا تزال القدرة الشرائية والأجور وارتفاع تكاليف المعيشة في صدارة انشغالات قطاعات واسعة من المواطنين.
وتجد حكومة سيباستيان لوكورنو نفسها أمام تحدٍ مزدوج: احتواء الغضب الاجتماعي من جهة، والحفاظ على الاستقرار والأمن العام من جهة أخرى، خصوصاً مع استمرار الدعوات الاحتجاجية وتعدد الجهات المشاركة فيها.
وفي محاولة لفتح قنوات الحوار، يرتقب أن تحتضن رئاسة الحكومة الفرنسية، يوم الاثنين 9 نونبر، مؤتمراً اجتماعياً بمشاركة النقابات وممثلي أرباب العمل، لمناقشة قضايا الأجور والقدرة الشرائية، في خطوة تسعى من خلالها الحكومة إلى احتواء التوتر وإعادة الحوار بين الشركاء الاجتماعيين.
لكن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الحكومة على الانتقال من الوعود والتشاور إلى إجراءات ملموسة يشعر المواطن الفرنسي بانعكاسها على حياته اليومية.
وبين الشارع الغاضب والإجراءات الأمنية المشددة، تبدو فرنسا أمام مرحلة دقيقة، عنوانها أزمة الثقة الاجتماعية وصعوبة تحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار وحق المواطنين في الاحتجاج والتعبير عن مطالبهم.
فهل تنجح الحكومة الفرنسية في احتواء موجة الغضب عبر الحوار الاجتماعي، أم أن استمرار الضغوط المعيشية سيعيد الاحتجاجات إلى الشوارع بقوة أكبر خلال المرحلة المقبلة؟
