فرنسا على صفيح اجتماعي ساخن.. عودة السترات الصفراء تستنفر 70 ألف شرطي ودركي، ومدرعات «Centaure» تدخل المشهد

الوطن24/ باريس
تستعد فرنسا، السبت 7 نونبر 2026، ليوم جديد من الاحتجاجات الاجتماعية التي تعيد إلى الواجهة مشاهد الغضب الشعبي، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، وعودة حركة «السترات الصفراء» إلى الشارع، بالتزامن مع التعبئة النقابية المطالبة بتحسين الأجور والدفاع عن الخدمات العمومية.
وبين دعوات الاحتجاج، والتدابير الأمنية المشددة، والخلاف المتصاعد بين النقابات ومنظمات أرباب العمل حول كلفة الزيادات في الأجور، تجد الحكومة الفرنسية نفسها أمام اختبار اجتماعي واقتصادي معقد، تتداخل فيه المطالب المعيشية مع المخاوف المرتبطة بالتشغيل واستقرار المقاولات.
وتأتي هذه التطورات غداة تعبئة وطنية واسعة شهدتها البلاد الخميس 5 نونبر، شارك فيها العمال والموظفون والطلاب وفئات اجتماعية مختلفة، في مشهد يعكس اتساع دائرة الغضب من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ويؤكد أن ملف القدرة الشرائية أصبح في صدارة النقاش العام الفرنسي.
70 ألف شرطي ودركي.. استنفار أمني واسع تحسباً لأي انفلات
في مواجهة التحركات المرتقبة، قررت وزارة الداخلية الفرنسية تجديد منظومتها الأمنية، مع تعبئة نحو 70 ألف عنصر من الشرطة والدرك على المستوى الوطني، بهدف تأمين الاحتجاجات ومنع أعمال العنف والتخريب.
وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز أن السلطات ستعتمد ترتيبات أمنية مشددة، تشمل تعبئة 110 وحدات من القوات المتنقلة، وتسخير 25 مدرعة من طراز «Centaure» التابعة للدرك الوطني، إلى جانب الطائرات المسيرة والمروحيات ووسائل التدخل المتخصصة.
ولا يقتصر هذا الاستعداد على الانتشار الأمني التقليدي، بل يعكس اعتماد السلطات مقاربة احترازية تأخذ بعين الاعتبار احتمال ظهور تجمعات غير منظمة، أو محاولات لقطع الطرق، أو استهداف الممتلكات العامة والخاصة.
وحذر وزير الداخلية من دعوات رصدتها الأجهزة المختصة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تتضمن تحريضاً على العنف ضد قوات الأمن والمباني العمومية والمتاجر، مؤكداً أن السلطات لن تتساهل مع أعمال التخريب أو الاعتداءات.
ومع ذلك، شددت السلطات على أن المهمة الأساسية لقوات الأمن تظل ضمان مرور المظاهرات المرخصة في ظروف سلمية، مع التدخل عند الضرورة لمواجهة التجاوزات.
ساحة الكونكورد.. السترات الصفراء تصر على الاحتجاج رغم قرار المنع
وتتجه الأنظار بشكل خاص إلى العاصمة باريس، حيث عادت حركة «السترات الصفراء» إلى واجهة المشهد، بعد إعلان تنسيقيتها الإصرار على تنظيم تجمع بساحة الكونكورد، ابتداءً من الساعة الثانية بعد الظهر وحتى السابعة مساءً.
غير أن هذا الموعد يصطدم بقرار شرطة باريس منع التجمع في الساحة، في وقت أعلن فيه ممثل التنسيقية بنجامين بال تمسك الحركة بدعوتها، رغم الإجراءات التي اتخذتها السلطات.
ويضع هذا الموقف الأجهزة الأمنية أمام تحد إضافي، بالنظر إلى حساسية الموقع وحجم الاستنفار المعتمد، فضلاً عن المخاوف من حدوث احتكاكات بين المحتجين وقوات الأمن في حال تنفيذ التجمع رغم قرار المنع.
وفي المقابل، حصلت المسيرة النقابية على ترخيص رسمي للانطلاق من ساحة الجمهورية في اتجاه ساحة الأمة، مروراً بشارع فولتير، ابتداءً من الساعة الثانية بعد الظهر.
وهكذا ستكون باريس أمام تحركين مختلفين من حيث الوضع القانوني والتنظيمي: مسيرة نقابية مرخصة، وتجمع للسترات الصفراء ممنوع بقرار من السلطات.
من احتجاجات 2018 إلى غضب 2026.. الشارع الفرنسي يعيد طرح الأسئلة الاجتماعية
إن عودة السترات الصفراء إلى الشارع تحمل دلالات تتجاوز مجرد المشاركة في يوم احتجاجي جديد، بالنظر إلى الخلفية الاجتماعية للحركة التي برزت بقوة سنة 2018، احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة والضرائب وتراجع القدرة الشرائية.
واليوم، تتجدد بعض المطالب نفسها في سياق اقتصادي واجتماعي مختلف، حيث تتقاطع شعارات الحركة مع مطالب النقابات والطلاب والموظفين، خصوصاً فيما يتعلق بتحسين الأجور والعدالة الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية.
وكانت احتجاجات الخميس 5 نونبر قد سجلت، وفق وزارة الداخلية الفرنسية، مشاركة 575 ألف شخص في مختلف أنحاء البلاد، بينما أعلنت الكونفدرالية العامة للشغل «CGT» أن عدد المشاركين بلغ نحو مليون و573 ألف شخص.
ويعكس التباين الكبير بين التقديرين اختلافاً في منهجية احتساب المشاركين، لكنه يبرز في الوقت ذاته حجم التعبئة التي شهدتها البلاد، ويضع التحركات الاجتماعية ضمن أبرز الملفات التي تواجه الحكومة الفرنسية في المرحلة الراهنة.
معركة الأجور.. 100 يورو من CFDT و10 في المائة من CGT
وبعيداً عن المشهد الأمني، تتجه المواجهة الأكثر حساسية نحو ملف الأجور، الذي تحول إلى محور أساسي في الخلاف بين النقابات والحكومة ومنظمات أرباب العمل.
فالنقابات تعتبر أن الزيادات التي عرفتها بعض الأجور لم تعد كافية لمواكبة تكاليف السكن والغذاء والنقل والطاقة، وتطالب بإجراءات ملموسة لتحسين دخل العاملين، بدل الاكتفاء بالزيادات التلقائية المرتبطة بالتضخم.
وفي هذا السياق، تطالب الكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للشغل «CFDT» بزيادة صافية قدرها 100 يورو في الحد الأدنى للأجور، فيما تدعو الكونفدرالية العامة للشغل «CGT» إلى رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 10 في المائة، مع إعادة النظر في منظومة الأجور وربطها بتطور الأسعار.
وتتجاوز هذه المطالب مجرد الزيادة في الحد الأدنى للأجور، لتشمل تحسين الأجور في مختلف القطاعات، وإعادة فتح المفاوضات المهنية، ومراجعة السلالم والدرجات التي لم تعد تعكس بصورة كافية تطور تكاليف المعيشة.
لكن هذه المطالب تواجه تحفظات من جانب منظمات أرباب العمل، خصوصاً ممثلي الشركات الصغيرة والمتوسطة، الذين يحذرون من ارتفاع كلفة التشغيل في حال إقرار زيادات كبيرة دون إجراءات موازية تخفف الأعباء المالية والاجتماعية عن المقاولات.
فالمبلغ الذي يحصل عليه العامل لا يمثل وحده الكلفة الحقيقية للزيادة بالنسبة إلى المشغل، إذ تدخل ضمن الحسابات أيضاً الاشتراكات الاجتماعية والتكاليف المرتبطة بالأجور، وهو ما يجعل بعض المقاولات أكثر حذراً تجاه أي قرار قد يرفع نفقات التشغيل بصورة مفاجئة.
وبين النقابات التي تطالب بتحسين دخل الأجراء، وأرباب العمل الذين يدافعون عن قدرة المقاولات على الاستمرار والتوظيف والاستثمار، تجد الحكومة نفسها أمام معادلة دقيقة يصعب حسمها بقرار منفرد.
250 ألف وظيفة مهددة؟ رقم يثير الجدل حول كلفة رفع الحد الأدنى للأجور
ومن أكثر الأرقام إثارة للنقاش في هذا الملف، تقدير يتحدث عن احتمال فقدان نحو 250 ألف فرصة عمل في حال إقرار زيادة قدرها 150 يورو في الحد الأدنى للأجور.
وقد جرى تداول هذا الرقم في سياق تحذيرات وزير العمل الفرنسي جان بيير فاراندو من الانعكاسات المحتملة للزيادات الكبيرة على سوق الشغل، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على اليد العاملة وتعمل بهوامش مالية محدودة.
غير أن هذا التقدير لا ينبغي التعامل معه باعتباره خسارة مؤكدة أو نتيجة اقتصادية محسومة، بل باعتباره تحذيراً حكومياً مرتبطاً بفرضية زيادة محددة، في انتظار الاطلاع على الأسس والمنهجية الاقتصادية التي يستند إليها.
ويكشف هذا النقاش عن جوهر الخلاف بين الأطراف: فالنقابات ترى أن تحسين الأجور ضرورة لحماية العاملين وتحريك الاستهلاك، بينما تحذر الحكومة وأرباب العمل من أن الزيادة غير المصحوبة بإجراءات موازية قد تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل، وربما انعكاس ذلك على الأسعار والتوظيف.
ليكورنو يستدعي النقابات وأرباب العمل.. الاثنين موعد الحسم في الحوار الاجتماعي
وأمام اتساع دائرة الاحتجاجات، أعلن رئيس الحكومة الفرنسية سيباستيان ليكورنو عقد مؤتمر اجتماعي يوم الاثنين 9 نونبر بمقر رئاسة الحكومة في ماتينيون، بمشاركة المنظمات الممثلة للأجراء وأرباب العمل.
ويأتي هذا الاجتماع في محاولة لفتح مسار حوار مباشر حول الأجور والقدرة الشرائية، والبحث عن حلول عملية للأزمة الاجتماعية، بعدما باتت المطالب النقابية تشكل ضغطاً متزايداً على السلطة التنفيذية.
وكلف رئيس الحكومة وزير العمل والتضامن باستكمال المشاورات مع الأطراف المعنية قبل انعقاد المؤتمر، في حين تتواصل المناقشات المتعلقة بأوضاع موظفي القطاع العام.
لكن نجاح هذا الحوار لن يكون أمراً سهلاً، في ظل اختلاف الأولويات بين النقابات التي تنتظر قرارات ملموسة بشأن الأجور، وأرباب العمل الذين يطالبون بمراعاة الأعباء التي تتحملها الشركات، والحكومة التي تواجه بدورها قيوداً مالية وميزانياتية.
كما أن النقابات تترقب نتائج هذا اللقاء لتحديد الخطوات المقبلة، وهو ما يجعل مؤتمر الاثنين محطة مهمة في مسار التعبئة الاجتماعية، دون أن يعني ذلك أن التوصل إلى اتفاق أصبح مضموناً.
فرنسا بين مدرعات الأمن ومطالب الشارع.. هل تنجح الحكومة في احتواء الأزمة؟
ما تشهده فرنسا لم يعد مجرد احتجاج عابر أو خلاف نقابي محدود، بل أصبح تعبيراً عن تداخل مجموعة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية، في مقدمتها الأجور والقدرة الشرائية والتشغيل ومستقبل الشركات الصغيرة والمتوسطة.
ففي الوقت الذي تستعد فيه قوات الشرطة والدرك لتأمين الشوارع، وتضع السلطات خططاً احترازية تحسباً لأي أعمال عنف أو تخريب، يواصل المحتجون المطالبة بإجراءات ملموسة تخفف الضغط عن ميزانيات الأسر الفرنسية.
وبين الحق في التظاهر السلمي وضرورة حماية الممتلكات والأمن العام، يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة هو معالجة الأسباب التي تدفع المواطنين إلى الاحتجاج، وليس الاكتفاء بالتعامل مع تداعياتها الأمنية.
فالمدرعات قادرة على التدخل عند وقوع الاضطرابات، والانتشار الأمني قادر على تأمين المسارات المرخصة، لكنهما لا يقدمان جواباً عن سؤال الأجور ولا عن الصعوبات اليومية التي تواجه الأسر والمقاولات.
وتتجه الأنظار الآن إلى ما ستسفر عنه تحركات السبت، ثم إلى مؤتمر ماتينيون يوم الاثنين، حيث سيكون على الحكومة والنقابات وأرباب العمل البحث عن أرضية مشتركة بين تحسين القدرة الشرائية وحماية فرص العمل واستمرارية النشاط الاقتصادي.
فهل تنجح حكومة سيباستيان ليكورنو في تحويل ضغط الشارع إلى اتفاق اجتماعي يخفف الاحتقان، أم أن استمرار الخلاف حول الأجور وكلفة التشغيل سيبقي أبواب الاحتجاج مفتوحة في فرنسا؟
