إسبانيا تدخل معركة انتخابية ساخنة.. سانشيز وأباسكال في مواجهة سياسية مفتوحة، ومناظرات التلفزيون تشعل الخلاف بين الأحزاب

الوطن24/ مدريد
تدخل إسبانيا مرحلة سياسية دقيقة مع اقتراب الانتخابات التشريعية المبكرة المقررة يوم 29 نونبر 2026، وسط تصاعد المواجهة بين رئيس الحكومة بيدرو سانشيز وزعيم حزب فوكس اليميني سانتياغو أباسكال، في وقت تحولت فيه المناظرات التلفزيونية إلى جبهة جديدة للصراع بين الأحزاب المتنافسة على قيادة البلاد.
ولم يعد النقاش السياسي الإسباني محصوراً في تبادل الاتهامات والانتقادات بين قادة الأحزاب، بل امتد إلى معركة حول كيفية مواجهة الناخبين، والجهات الإعلامية التي ستحتضن المناظرات، والأطراف التي ينبغي أن تشارك فيها، في تطورات تعكس حجم الرهانات المرتبطة بالاستحقاق الانتخابي المقبل.
انتخابات مبكرة أعادت خلط الأوراق السياسية
وكان رئيس الحكومة بيدرو سانشيز قد أعلن، يوم 5 أكتوبر الماضي، تقديم موعد الانتخابات التشريعية إلى 29 نونبر، عقب إسقاط البرلمان مراسيم حكومية مرتبطة بملف السكن، بعدما صوتت ضدها أحزاب من بينها الحزب الشعبي وحزب فوكس وأحزاب أخرى.
وبهذا القرار، دخلت الأحزاب الإسبانية سباقاً انتخابياً مبكراً، في ظل تنافس بين ثلاثة أقطاب رئيسية: الحزب الاشتراكي العمالي بقيادة سانشيز، والحزب الشعبي بقيادة ألبرتو نونييث فيخو، وحزب فوكس بقيادة سانتياغو أباسكال، إلى جانب بروز الجبهة العريضة في معسكر اليسار.
وتكتسي هذه الانتخابات أهمية خاصة، لأنها ستحدد ملامح الحكومة المقبلة، وطبيعة التحالفات البرلمانية، والاتجاه الذي ستسلكه إسبانيا في ملفات اقتصادية واجتماعية وسياسية شديدة الحساسية.
سانشيز وأباسكال.. صراع يتجاوز حدود المعارضة والحكومة
يمثل بيدرو سانشيز توجهاً سياسياً يدافع عن استمرار التجربة الحكومية الاشتراكية، ويؤكد أهمية السياسات الاجتماعية والتوافقات البرلمانية والتعددية السياسية.
في المقابل، يتبنى سانتياغو أباسكال خطاباً معارضاً أكثر تشدداً تجاه الحكومة، ويركز على ملفات الهجرة والسيادة الوطنية ووحدة الدولة، فضلاً عن مطالبته بتغيير عدد من الاختيارات الحكومية والمؤسساتية.
وقد ظهر حجم التباعد بين الطرفين في الخطاب الانتخابي لسانشيز، الذي اتهم خلال تجمع حزبي بمدينة بورغوس يوم 21 أكتوبر أباسكال وفيخو والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي بالترويج لمشروع سياسي مشترك يقوم، بحسب وصفه، على تقليص السياسات الاجتماعية.
وتعكس هذه المواجهة محاولة كل معسكر تقديم الانتخابات باعتبارها اختياراً بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل البلاد، وليس مجرد تنافس تقليدي بين أحزاب تسعى إلى الحصول على مقاعد إضافية في البرلمان.
مناظرات تلفزيونية تتحول إلى أزمة بين الحزبين الكبيرين
ومن أبرز التطورات التي تشغل المشهد السياسي الإسباني حالياً، الخلاف حول تنظيم المناظرات الانتخابية، بعدما وجدت الأحزاب نفسها أمام خلافات بشأن القنوات التلفزيونية التي ستستضيف اللقاءات وصيغ المشاركة فيها.
فقد اقترحت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية RTVE تنظيم ثلاث مناظرات خلال الحملة الانتخابية: مواجهة ثنائية بين سانشيز وفيخو، ومناظرة رباعية تضم مرشحي القوى السياسية الرئيسية، إضافة إلى لقاء أوسع بمشاركة ممثلي المجموعات السياسية الثماني الممثلة في البرلمان.
لكن المفاوضات لم تصل، إلى حدود 6 و7 نونبر، إلى اتفاق نهائي بشأن أبرز المواجهات التلفزيونية.
وحسب ما أوردته وكالة الأنباء الإسبانية EFE يوم 6 نونبر، فإن الخلاف الأساسي بين الحزب الاشتراكي والحزب الشعبي يتمحور حول القنوات التي ستنظم المناظرات، إذ يتمسك الاشتراكيون بتنظيم مناظرة رباعية عبر التلفزيون العمومي RTVE، بينما يدفع الحزب الشعبي نحو تنظيمها عبر شبكة Atresmedia.
كما أن المناظرة الثنائية بين سانشيز وفيخو، التي وافق الحزبان مبدئياً على إجرائها عبر مجموعة Mediaset يوم 16 نونبر، ظلت مرتبطة بالتوصل إلى تفاهم بشأن المناظرة الرباعية.
وهكذا، أصبح الخلاف حول المنصة الإعلامية وصيغة المواجهة يهدد بإرباك برنامج المناظرات، رغم اقتراب موعد انطلاق الحملة الانتخابية.
أباسكال حاضر في قلب المناظرة الرباعية
وفي الوقت الذي يتركز فيه الاهتمام الإعلامي على المواجهة الثنائية المحتملة بين سانشيز وفيخو، يظل حضور سانتياغو أباسكال في المناظرة الرباعية أحد العناصر الأساسية في المشهد الانتخابي.
فحزب فوكس ليس مجرد طرف ثانوي في هذا السباق، بل يمثل أحد المكونات الرئيسية للمعادلة السياسية الإسبانية، خصوصاً في ضوء حضوره البرلماني وتحالفاته مع الحزب الشعبي في عدد من المؤسسات والجهات.
وتبرز أهمية هذه المشاركة في كونها ستتيح مواجهة مباشرة بين رؤى سياسية مختلفة بشأن الهجرة والاقتصاد والسكن والسياسات الاجتماعية والنموذج المؤسساتي للدولة.
كما أن مشاركة ممثلة الجبهة العريضة آدا كولاو ستضيف بعداً آخر إلى النقاش، بالنظر إلى موقع هذا التكتل في محاولة إعادة تنظيم قوى اليسار الإسباني.
السكن والقدرة الشرائية والهجرة.. ملفات ستحدد طبيعة المواجهة
بعيداً عن الحسابات الحزبية، تفرض مجموعة من القضايا نفسها على النقاش الانتخابي الإسباني، وفي مقدمتها أزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة والقدرة الشرائية، إلى جانب فرص الشغل ومستقبل الخدمات العمومية.
ويكتسب ملف السكن أهمية خاصة، بعدما شكل سقوط المراسيم الحكومية المتعلقة به الشرارة المباشرة التي سبقت إعلان الانتخابات المبكرة.
كما يحتل ملف الهجرة موقعاً بارزاً في خطاب حزب فوكس، الذي يطالب بتغيير السياسات المعتمدة في هذا المجال، بينما يدافع الحزب الاشتراكي عن مقاربة مختلفة في تدبير الهجرة والاندماج.
وفي المجال الاقتصادي، من المنتظر أن يكون أداء الحكومة والسياسات الضريبية والأجور والمعاشات من أبرز الملفات التي ستواجه المرشحين بأسئلة مباشرة حول الحصيلة والوعود والبدائل.
وتشير أجندة النقاشات القطاعية المعلن عنها إلى أن ملف الاقتصاد سيكون حاضراً يوم 13 نونبر عبر مناظرة رباعية، فيما يرتقب تخصيص مناظرة حول السكن يوم 18 نونبر.
هل تجمع مناظرة مباشرة سانشيز وأباسكال؟
رغم أن الصورة المتداولة التي تجمع سانشيز وأباسكال تطرح سؤالاً جذاباً حول من يمكنه إقناع الإسبان في مواجهة مباشرة، فإن الوقائع الانتخابية الحالية تشير إلى أن المواجهة الثنائية المطروحة رسمياً بين المرشحين الرئيسيين هي بين سانشيز وفيخو، بينما يُنتظر أن يكون أباسكال ضمن المناظرة الرباعية.
وحتى 7 نونبر، لا يوجد إعلان موثوق عن اتفاق على مناظرة ثنائية مستقلة تجمع سانشيز وأباسكال.
لكن احتمال مواجهتهما في مناظرة جماعية يضع الرجلين أمام اختبار سياسي وإعلامي مهم، خصوصاً أن الملفات التي يختلفان بشأنها تمس اختيارات إسبانيا الداخلية وعلاقاتها الأوروبية والدولية.
29 نونبر.. صناديق الاقتراع تحسم مستقبل الحكومة
ومع اقتراب موعد الانتخابات، تبدو إسبانيا أمام استحقاق يتجاوز التنافس بين أسماء سياسية معروفة، ليطرح أسئلة أعمق حول طبيعة الحكومة المقبلة، والتحالفات التي ستدعمها، والاتجاه الاقتصادي والاجتماعي الذي ستتبناه.
وبين دفاع سانشيز عن حصيلة حكومته، وانتقادات أباسكال، ومشروع الحزب الشعبي بقيادة فيخو، تدخل البلاد مرحلة حاسمة سيكون فيها للبرامج الانتخابية والمناظرات والقدرة على إقناع الناخبين دور أساسي في تشكيل المشهد السياسي المقبل.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل ستتحول المناظرات التلفزيونية إلى فرصة حقيقية لمناقشة مستقبل إسبانيا، أم ستظل أسيرة الخلافات الحزبية والصراع حول القنوات والمنصات الإعلامية؟
الإجابة ستتضح مع اقتراب يوم 29 نونبر، حين ينتقل الصراع من شاشات التلفزيون ومنصات الأحزاب إلى صناديق الاقتراع.
