المغرب على أبواب الانتخابات.. هل انتهى زمن استغلال المشاريع وبدأت مرحلة “تجار الأوهام”؟

بينما تواصل وزارة الداخلية تشديد رقابتها على تدبير الشأن المحلي، وتوجيه تحذيرات واضحة بشأن استغلال المشاريع العمومية والوسائل العمومية لأغراض انتخابية، يبدو أن بعض المتربصين بالاستحقاقات المقبلة يبحثون عن منافذ جديدة للالتفاف على القانون، عبر أساليب أكثر تعقيدًا وأقل ظهورًا للعلن.
فبعدما أصبحت الأوراش العمومية والصفقات والمرافق الجماعية تحت أعين أجهزة المراقبة، برزت في عدد من المناطق مؤشرات على ممارسات تقوم على تسويق الوعود أكثر من تسويق الإنجازات، حيث يتحول بعض الوسطاء والسماسرة إلى وسيلة غير مباشرة للتأثير في الناخبين واستمالة الرأي العام المحلي.
ولم يعد الحديث يقتصر على استغلال مشروع هنا أو تدشين مرفق هناك، بل امتد إلى الترويج لوعود بمشاريع وأسواق تجارية وتهيئة أحياء ومرافق مستقبلية، تُقدَّم للسكان وكأنها قرارات جاهزة للتنفيذ، في حين أن كثيرًا منها لا يزال مجرد أفكار أو مقترحات أو مشاريع لم تستكمل بعد مساطرها القانونية والمالية.
ويحذر متابعون للشأن السياسي من أن أخطر ما في هذه الممارسات ليس فقط محاولة التأثير في الناخبين، بل خلق حالة من الوهم الجماعي لدى الساكنة، عبر إيهامها بأن الحلول قادمة وأن المشاريع أصبحت مضمونة، بينما قد يكون الواقع مختلفًا تمامًا.
وفي بعض المناطق، يتحدث مواطنون عن نشاط غير عادي لوسطاء يتحركون في الخفاء، ينقلون الرسائل والوعود ويعملون على استمالة الناخبين بطرق ملتوية، مستغلين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي تعيشها بعض الفئات. وهي ممارسات تطرح أكثر من سؤال حول مدى احترام أخلاقيات العمل السياسي وروح المنافسة الديمقراطية.
لقد أدركت الدولة منذ سنوات خطورة توظيف المال العام والمشاريع العمومية في الصراع الانتخابي، ولذلك صدرت توجيهات صارمة لضمان الحياد وحماية المؤسسات من أي استغلال سياسي. غير أن التحدي الحقيقي اليوم قد لا يقتصر على مراقبة الأوراش والصفقات، بل يمتد إلى رصد شبكات التأثير غير المرئية التي تعتمد على الإشاعة والوعد والتسويق السياسي المبكر.
وفي هذا السياق، يرى متابعون أن بعض المنتخبين الذين يتحملون مسؤوليات في تدبير الشأن العام، والذين يتهيؤون لخوض الاستحقاقات التشريعية المقبلة، قد يسعون إلى توسيع نفوذهم على المستويين الترابي والتشريعي، بما قد يحد من فرص التنافس السياسي المتكافئ. ويُثار في هذا الإطار الحديث عن لجوء بعض الفاعلين إلى استقطاب وسطاء وسماسرة انتخابات، بل وحتى أشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم “مؤثرين”، لتمرير الرسائل واستمالة الناخبين مقابل منافع أو امتيازات. وإذا ثبتت مثل هذه الممارسات، فإنها تشكل خطرًا حقيقيًا على نزاهة العملية الديمقراطية، لأنها تقوم على شراء التأثير بدل كسب ثقة المواطنين عبر البرامج والحصيلة. ومن ثم، تظل الحاجة قائمة إلى مواصلة السلطات المختصة، وفي مقدمتها وزارة الداخلية، رصد أي تحركات مشبوهة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق كل من يثبت تورطه، حمايةً لنزاهة الانتخابات وصونًا لحق المواطنين في اختيار ممثليهم بكل حرية وشفافية.
فالمواطن المغربي أصبح أكثر وعيًا من أي وقت مضى، ولم يعد يقيس صدقية الفاعلين السياسيين بعدد الوعود التي يقدمونها، بل بحجم الإنجازات التي تحققت على أرض الواقع خلال سنوات تحملهم المسؤولية. فالطريق المعبدة، والمدرسة المجهزة، والمستشفى الذي يقدم خدماته، وفرص الشغل الحقيقية، هي وحدها التي تمنح المصداقية لأي مشروع سياسي.
واليوم، ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يبقى الرهان الأكبر هو حماية ثقة المواطنين في العملية الديمقراطية، عبر التصدي لكل أشكال التلاعب بالإرادة الشعبية، سواء تعلق الأمر باستغلال المشاريع العمومية أو بتسويق الأحلام والوعود التي لا تجد طريقها إلى الواقع.
إن المغرب، وهو يواصل ترسيخ دولة المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز الشفافية، يحتاج إلى انتخابات تُبنى على البرامج والكفاءة والحصيلة، لا على السماسرة وتجار الأوهام. فالمواطن لا ينتظر من يخبره بما سيُنجز غدًا، بل يريد أن يرى ما أُنجز بالأمس، وما يتحقق اليوم على أرض الواقع.
رأي الوطن24: إن حماية نزاهة الانتخابات ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تتقاسمها الأحزاب السياسية، والفاعلون المدنيون، ووسائل الإعلام، والمواطنون أنفسهم، حتى تظل صناديق الاقتراع معبرة عن الإرادة الحرة للناخبين، بعيدًا عن التضليل والوعود الزائفة وكل أشكال السمسرة السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *