زلزال قضائي في المغرب.. المحكمة الدستورية تُطيح بمقتضيات قانونية وتحرج وزير العدل!

في خطوة اعتبرها المتتبعون زلزالاً قانونياً يعيد رسم ملامح العلاقة بين السلط في المغرب، أصدرت المحكمة الدستورية قراراً تاريخياً يقضي بعدم دستورية مقتضيات جوهرية من القانون رقم 23.02 المتعلق بالمسطرة المدنية، بعدما تمت إحالته عليها من طرف رئيس مجلس النواب بتاريخ 9 يوليوز 2025 للبت في مدى مطابقته للدستور.

وجاء في القرار أن الفقرة الأولى من المادة 17، التي كانت تمنح النيابة العامة صلاحية طلب إبطال أي مقرر قضائي مخالف للنظام العام حتى بعد صيرورته نهائياً، غير دستورية لأنها تضرب مبدأ الأمن القضائي وحجية الأحكام القضائية.

كما أبطلت المحكمة الفقرة الرابعة من المادة 84 المتعلقة بتبليغ الاستدعاءات، معتبرة أنها تفتقر إلى الضوابط الموضوعية وتؤدي إلى الشك، مما يمس بحقوق الدفاع.

أما الفقرة الأخيرة من المادة 90، والمتعلقة بحضور الأطراف عن بُعد، فقد رفضتها المحكمة لغياب ضمانات المواجهة المباشرة.

وفي قرار غير مسبوق، ألغت المحكمة الفقرتين الأولى من المادتين 408 و410 اللتين خولتا لوزير العدل تقديم طلبات الإحالة، معتبرة ذلك مساساً خطيراً باستقلال السلطة القضائية.
كما رفضت المادة 624 (الفقرة الثانية) والمادة 628 (الفقرتان الثالثة والأخيرة) التي كانت تمنح وزارة العدل صلاحيات في تدبير النظام المعلوماتي لتوزيع القضايا وتعيين القضاة، مؤكدة أن هذه الاختصاصات تعود حصراً للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

ولم يفت المحكمة التنبيه إلى أخطاء تقنية خطيرة، أبرزها إحالة المادة 288 على مادة خاطئة، وهو ما اعتبرته مخالفة لمبدأ وضوح القاعدة القانونية.
كما قضت بعدم دستورية مقتضيات المادة 339 التي حصرت التعليل فقط في حالات رفض طلب التجريح، مؤكدة أن الدستور يلزم بتعليل جميع الأحكام دون استثناء.

وشمل القرار أيضاً إبطال الفقرات الأخيرة من المادتين 107 و364، التي تمنع الأطراف من التعقيب على مستنتجات المفوض الملكي، معتبرة ذلك قيداً غير مبرر على حق الدفاع.

وفي تصريح لـ”الوطن24″، قال الأستاذ عبد الكريم الحياني، أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس: “المحكمة الدستورية أوقفت محاولة غير مسبوقة لتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب استقلال القضاء. هذا القرار يعزز دولة القانون ويعيد الثقة في القضاء الدستوري بالمغرب”.

وأضاف:”الحكومة ووزارة العدل ستكونان مضطرتين لإعادة صياغة مشروع القانون وفق مقاربة تشاركية تحترم الدستور، وإلا فإننا سنكون أمام موجة جديدة من الرقابة الدستورية الصارمة”.

ويرى متابعون أن هذا القرار يشكل تحولاً تاريخياً في المشهد القانوني المغربي، إذ لا يكتفي بإسقاط مقتضيات قانونية مثيرة للجدل، بل يوجه إنذاراً واضحاً للحكومة ووزارة العدل بضرورة احترام الحدود الفاصلة بين السلط وضمان استقلال القضاء.

وقد أمرت المحكمة بتبليغ نسخة من قرارها إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، ورئيسي البرلمان، مع نشره في الجريدة الرسمية، مما يجعله ملزماً ونافذاً فوراً.