مرثية البحر … قوافل العابرين إلى المجهول

يــــــابحر …
كم خبأت تحت الزرق من وطن
تكسر الحلم فيه قبل أن يبرا؟

كم أم تلوذ بثوب الله مرتجفا،
وتستجير بدمع أرهق السحرا؟

وكم أب شد فوق القلب أمتعة،
ومضى يجر على الشوك منكسرا.

وكم رضيع رأى الأمواج أول ما
رأى من الكون…لا بيتا ولا قمرا.

خرجوا…
وليس لهم سوى الأرواح زادهم.
والجوع يسبقهم،والعجز قد أمرا.

لا يحملون سوى أسماء قريتهم، وبعض صور الطفولة والمنى سفرا

يقول أصغرهم:”هل تم مدرسة”؟
فتبتلع الريح صوتا كان مزدهرا.

ويهمس الشيخ: “يكفيني إذا بلغت
خطاي أرضا أرى فيها غدا أزهرا”

سبتة…
تلوح كالحلم البعيد على عين أذاب الأسى في جفنها السهرا.

لكن بين الرؤى والموج هاوية،
تحصي الضحايا، ولا تبقي ولاتذرا.

هذا يصارع موجا لا شواطئ له،
وذاك يصافح موتا جاء معتذرا.

وهذه أمه تنعى ضفائره،
كأنها الشمس لما غاب واعتكرا.

يا أيها البحر…
رفقا بالقلوب فقد ضاقت
بما حملت من حزنها العمرا .

رفقا بأطفال قوم ما عرفوا لعبا،
إلا ملاحقة الأحلام إذ عبرا.

رفقا بنسوة فقر أوجعتهن يد
تمد للخبز…فتلقى القهر والضجرا.

رفقابشيب رأى الأوطان موحشة،
فصار يحمل في عينيه منحدرا.

كم عاد بعضهم …
والذل ينحته،
كأنه الطين بعد السيل إذ انكسرا.

لا الزاد عاد به،
لا الحلم أسعفه،
لكنه عاد…كي يروي الأسى خبرا.

وكم مضى آخرون
لا اسم يشيعهم،
إلا النوارس، والأمواج، والمطرا.

صاروا حكاية أم كلما سألت:
“أين ابني؟”
سكت التاريخ… واعتذرا.

يا أيها الوطن الجريح…
أما آن أن
يزرع في القلب بدل اليأس منتظرا ؟

أما آن للخبز أن يأتي بكرمته،
وللعروق التي أضناها ثمرا ؟

أما آن للطفل أن يحيا كما حلمت
له السماء ، فلا يخشى ولا خطرا؟

إن الكرامة ليست زورقا قلقا ،
ولا الغريق الذي يلقى الردى ظفرا.

الكرامة أن يرى الإنسان في وطن
بيتا، وعلما، وعملا، وعدلا، وأثرا.

فلا تشيع إلى البحر الشباب، ولا
تترك طفولة هذا الشعب منكسرا.

يكفي البحر دموع الناس أجمعها،
فلتورق الأرض …كي لا يورث البحر قبرا .

ليس البحر ماء…بل مقابر سائل،
يمشي على كتف الزمان مزمجرا.

في كل موجة أم ثكلى زهرة،
وفي الزبد الأبيض طفل أبحرا.

وتحت قاع البحر نامت أمنيات،
كانت تشيد للغد الأجمل قصرا .

نامت حقائب لم تزل مملوءة
بالخبز، والآمال، والدفء.. والذكرى.

نامت دفاتر تلميذ كان يحلم أن
يكون يوما للطبيب مبشرا .

نامت عروس خبأت في صدرها
ثوب الزفاف، وما رأت منه السرى

كل الذين غدوا إلى الموج استغاثوا،
لكن صمت الكون كان هو الورى.

وكأن هذا البحر يكتب كل يوم بالملح :
لا تتركوا الإنسان يختار طريقا إلى الحياة القبرا.

سيجيء يوم…لا يهاجر طفلنا
إلا إلى شمس العلوم مهاجرا.

ويعود بحر الشوق جسر محبة،
لا مقصلة تلقي البريء مبعثرا .

ويصير عرق الكادحين سنابلا،
لا دمعة فوق الأرصفة تعصرا .

ويشيد الفلاح من كف الأسى
قمحا، ويزرع في القلوب تبصرا.

ويقول عاملنا: هنا وطني الذي
أعطى الحقوق، وصان عيشاأيسرا

لا خوف بعد اليوم من جوع،ولا
ذل يطارد من أراد أن يرى.

فالعيش ليس منة تهدى، ولا
فضلا ، ولكن حق كل من اشترى

بالكد عمرا، وبالسواعد مجده ،
وبنى الحضارة صابرا ومثابرا.

يا موطني…كن للكرامة موئلا،
فالعدل وحده يجعل الإنسان أكبرا.

وطني…
وما الأوطان سلعة ساخر ،
أو مسرح ترمى به الأقدار .

ليست خرائطها تباع بمائدة،
أو تستبيح قرارها الأسوار .

ليست فضاء للخصومات التي
تتبادل الأهواء والأوزار .

بل موطن الإنسان، نبض كرامة،
وبه تصان الأرض والديار .

سيبقى- وإن عبث الزمان بأهله –
للصابرين منارة تختار .

ووعد رب الناس حق ساطع،
لا ينثني، لا تستره الأخطار .

سيظل هذا الوطن الحر الذي
تبنيه سواعد الأبرار.

وطن الكرامة، لا يهان ترابه،
وفي رحاب العدل يزهو الأحرار.

وطن العز، على صخرة المجد،
تتهاوى وتتحطم معاول الأشرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *