ميلونشون يكشف مشروعه لفرنسا 2027: رفع الأجور إلى 1700 يورو، التقاعد في الستين ومواجهة العنصرية

في تجمع سياسي احتضنته مدينة لو بورجيه، بضواحي باريس، السبت 7 نونبر 2026، قدم جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبية» (La France insoumise)، الخطوط العريضة لمشروعه السياسي استعداداً للانتخابات الرئاسية الفرنسية لسنة 2027، في خطاب جمع بين الوعود الاجتماعية والاقتصادية، ومكافحة العنصرية، والتحول البيئي، وإعادة النظر في توجهات السياسة الخارجية الفرنسية.

واختار ميلونشون أن يستهل كلمته بملف العنصرية وخطاب الكراهية في فرنسا، موجهاً انتقادات إلى بعض الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام، التي اتهمها بالمساهمة في تغذية الانقسامات وتأجيج الخطاب العنصري داخل المجتمع.

وفي لحظة مؤثرة، دعا الحاضرين إلى الوقوف دقيقة صمت ترحماً على الشاب Pengo Bossio Wangi، الذي قُتل في الهجوم ذي الدافع العنصري الذي استهدف أشخاصاً في تراب ولا فيريير، بضواحي باريس، يوم 23 أكتوبر الماضي. وهي الجريمة التي أعادت إلى الواجهة النقاش بشأن تصاعد العنصرية وخطاب الكراهية وتداعياتهما على التماسك المجتمعي في فرنسا.

وأكد ميلونشون أن مواجهة العنصرية يجب أن تتم بجميع الوسائل القانونية، معتبراً أن مناهضة التمييز ليست مجرد موقف سياسي، بل ثقافة وممارسة ينبغي أن تنعكسا على مؤسسات الدولة والمجتمع.

على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وضع زعيم «فرنسا الأبية» القدرة الشرائية في صدارة أولوياته، معلناً تمسكه برفع الحد الأدنى للأجور إلى 1700 يورو صافياً شهرياً، إلى جانب إجراءات تستهدف تحسين دخل الأسر ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.

كما جدد دعوته إلى إلغاء إصلاح نظام التقاعد الذي أقرته حكومة إيمانويل ماكرون، والعودة إلى سن التقاعد في الستين، بالنسبة إلى من استوفوا أربعين سنة من الاشتراكات.

وتندرج هذه المقترحات ضمن توجه اقتصادي يقوم، بحسب البرنامج الذي يقدمه الحزب، على إعادة توزيع الثروة، وإصلاح النظام الضريبي، وزيادة مساهمة أصحاب الثروات الكبرى، إلى جانب تعزيز دور الدولة في حماية القدرة الشرائية والخدمات العمومية.

ولم يقتصر الخطاب على الملفات الاجتماعية، بل منح ميلونشون التحول البيئي مكانة مركزية في تصوره لمستقبل فرنسا خلال السنوات الخمس المقبلة.

وأكد أن حماية البيئة يجب أن تكون حاضرة في مختلف المخططات التنموية والاختيارات الاقتصادية، معتبراً أن مواجهة التغيرات المناخية تقتضي تغييراً عميقاً في نموذج الإنتاج والاستهلاك.

ويحمل البرنامج الانتخابي الجديد للحزب توجهات بيئية بارزة، من بينها تطوير الطاقات المتجددة والتخلي التدريجي عن الطاقة النووية، المدنية والعسكرية، وإعادة تنظيم المجال الترابي وفق تصور يقوم على ما يسميه الحزب «الأقاليم البيئية».

وفي الشق الدبلوماسي، انتقد ميلونشون ما اعتبره تراجعاً لدور القانون الدولي أمام تصاعد منطق القوة في العلاقات الدولية، في ظل التنافس المتزايد بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.

ودعا إلى إعادة الاعتبار لمنظمة الأمم المتحدة واحترام قواعد القانون الدولي، بدل ترك مستقبل العلاقات بين الدول رهيناً بموازين القوة العسكرية والاقتصادية.

كما طرح فكرة بناء تحالف دولي يضم فرنسا ودولاً من خارج منطق الاستقطاب بين القوى الكبرى، مستلهماً توجهات عدم الانحياز، بهدف تعزيز استقلالية القرار السياسي الفرنسي وتجنب الانخراط في صراعات المحاور الدولية.

وبخصوص الحرب في أوكرانيا، شدد على ضرورة مشاركة الأوروبيين في أي مفاوضات مستقبلية ترمي إلى إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق سلام، معتبراً أن أمن القارة الأوروبية ومستقبلها لا يمكن أن يكونا موضوع قرارات تُتخذ دون حضور الأطراف الأوروبية المعنية.

أما في ما يتعلق بالشرق الأوسط، فقد جدد ميلونشون موقفه الداعم للحقوق الفلسطينية، مندداً بالمعاناة الإنسانية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وبالأوضاع في قطاع غزة، كما انتقد ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وجنوب لبنان.

ويعكس هذا الموقف استمرار حضور القضية الفلسطينية في الخطاب السياسي لحزب «فرنسا الأبية»، الذي يضع احترام القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني ضمن أولوياته المعلنة في السياسة الخارجية.

ومن بين الملفات التي تناولها الخطاب أيضاً التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، وتوسع الشركات العالمية في استخدام هذه التكنولوجيا، وما يرافق ذلك من تحديات اقتصادية واجتماعية وأخلاقية.

وشدد ميلونشون على ضرورة وضع ضوابط تؤطر استخدام الذكاء الاصطناعي، وتضمن حماية المواطنين من مخاطره المحتملة، مع إيلاء أهمية خاصة للأطفال والقاصرين، بالنظر إلى التأثير المتزايد للتكنولوجيا والمنصات الرقمية في حياتهم اليومية.

وفي ختام خطابه، وجه ميلونشون انتقادات إلى قادة اليمين المتطرف، وفي مقدمتهم مارين لوبان وجوردان بارديلا، معتبراً أنهم لا يقدمون، وفق قراءته، أجوبة كافية عن تطلعات الفرنسيين في ظل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها البلاد.

ودعا مختلف القوى السياسية إلى الإصغاء إلى المطالب التي يعبر عنها المواطنون خلال الاحتجاجات والمظاهرات المتكررة، مؤكداً أن معالجة الأزمات الاجتماعية لا يمكن أن تتم بمعزل عن انتظارات الشارع الفرنسي.

ويأتي هذا التجمع بعد صدور النسخة الجديدة من البرنامج الانتخابي لحزب «فرنسا الأبية»، تحت عنوان «المستقبل المشترك» (L’Avenir en commun)، يوم الجمعة 6 نونبر، والذي يتضمن 1069 إجراءً، من بينها 238 إجراءً جديداً، وفق المعطيات التي أعلنها الحزب.

وبهذا الخطاب، يسعى ميلونشون إلى تقديم مشروع سياسي متكامل يتجاوز الوعود المرتبطة بالأجور والتقاعد، ليشمل قضايا البيئة والسيادة الدبلوماسية والعدالة الاجتماعية ومكافحة العنصرية.

غير أن هذه المقترحات تطرح بدورها أسئلة بشأن كلفتها المالية، وإمكانيات تنفيذها، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الالتزامات الاجتماعية والتحديات الاقتصادية والمالية التي تواجه فرنسا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *