المغرب والفيتو الروسي.. حين تتجاوز الدبلوماسية حسابات الخصوم

لم تكن التطورات المرتبطة بملف الصحراء المغربية مجرد محطة عابرة في مسار العلاقات الدولية، بل كشفت مرة أخرى عن طبيعة الحسابات الجيوسياسية التي تحكم مواقف القوى الكبرى، وعن قدرة الدبلوماسية المغربية على التعامل مع التحولات الدولية بقدر كبير من الواقعية والحكمة.

ففي الوقت الذي راهن فيه البعض على أن الموقف الروسي سيشكل منعطفاً ضد المصالح المغربية، جاء البلاغ الملكي ليؤكد أن المغرب لا يتعامل مع القضايا الاستراتيجية بمنطق ردود الفعل، ولا يسمح بتحويل المواقف الظرفية للدول إلى مقياس لعلاقاته الدولية لقد كان البلاغ رسالة واضحة مفادها أن الثوابت الوطنية لا تتأثر بتقلبات المواقف الدبلوماسية، وأن المملكة قادرة على تدبير اختلافاتها مع القوى الدولية دون المساس بمصالحها العليا.

واللافت في هذا السياق هو الارتباك الذي طبع مواقف بعض الأطراف التي وجدت نفسها أمام تناقض واضح فمن جهة حاولت تقديم الموقف الروسي باعتباره انتصاراً سياسياً، ومن جهة أخرى، ظلت تروج لفكرة أن مستقبل بعثة المينورسو مرتبط باستمرار النزاع وفق التصورات التي تتبناها وهو تناقض يعكس صعوبة الانتقال من الخطاب الدعائي إلى قراءة واقعية للتحولات التي يعرفها الملف.

إن اختزال قضية الصحراء المغربية في مسألة الاستفتاء، والتعامل مع تقرير المصير وكأنه لا يتحقق إلا من خلال آلية واحدة يمثل تبسيطاً سياسياً وقانونياً لقضية ظلت لسنوات موضوع نقاش دولي متعدد الأبعاد فالمقاربات الدولية تطورت، وأصبحت الحلول الواقعية والعملية تحظى بمكانة متقدمة في النقاش الأممي، وهو ما يفرض على مختلف الأطراف مراجعة حساباتها بعيداً عن الشعارات الجامدة.

أما روسيا، فلا يمكن قراءة مواقفها في شمال إفريقيا بمعزل عن سياستها الدولية الأوسع فالمنطقة بالنسبة إلى موسكو مجال للتنافس الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والصين، وليست مجرد ساحة لتبني مواقف مبدئية تجاه نزاع إقليمي بعينه ومن هذا المنطلق، تحرص روسيا على الحفاظ على هوامش المناورة، وبناء علاقات متوازنة مع مختلف الفاعلين، بما يضمن لها حضوراً ونفوذاً في منطقة تزداد أهميتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

وفي المقابل، تنظر واشنطن إلى شمال إفريقيا باعتبارها بوابة استراتيجية نحو القارة الإفريقية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وما تتيحه من فرص اقتصادية وأمنية وسياسية ولذلك فإن التنافس بين القوى الكبرى في المنطقة لا تحكمه الاعتبارات المعلنة وحدها، بل تتداخل فيه المصالح بعيدة المدى وحسابات النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوى.

وسط هذه المعادلة، يبرز المغرب باعتباره دولة اختارت نهجاً دبلوماسياً يقوم على الواقعية والبراغماتية دون التفريط في ثوابتها الوطنية. فهو قادر على تنويع شراكاته، والانفتاح على مختلف القوى الدولية، واستثمار التوازنات القائمة بما يخدم مصالحه، مع الاحتفاظ بخطوط حمراء لا تقبل المساومة، وفي مقدمتها وحدته الترابية وسيادته على أقاليمه الجنوبية.

وهنا يكمن الفارق الجوهري بين الدبلوماسية التي تتحرك وفق رؤية استراتيجية واضحة، وتلك التي تظل أسيرة التناقض بين المواقف السياسية والخطابات الإعلامية. فالمغرب لا يرى في علاقاته الدولية مجالاً للمجاملة على حساب مصالحه كما لا يعتبر الاختلاف مع دولة كبرى نهاية للعلاقات معها، بل يتعامل مع كل موقف وفق حجمه وسياقه وتداعياته.

إن المرحلة الراهنة تؤكد أن قوة الدول لا تقاس بعدد التصريحات ولا بحدة الخطابات، وإنما بقدرتها على فهم التحولات الدولية وتوظيفها لخدمة مصالحها الوطنية والمغرب، بما راكمه من خبرة دبلوماسية وبما يتوفر عليه من وضوح في تحديد أولوياته، يواصل التعامل مع ملف الصحراء بعقلية الدولة التي تدرك أن القضايا الاستراتيجية لا تحسم بالانفعالات، بل بالنفس الطويل والعمل المؤسساتي وحسن تدبير التوازنات.

فالرسالة الأساسية واضحة يمكن أن تختلف مواقف القوى الكبرى، وقد تتباين حساباتها، لكن الثابت في السياسة المغربية هو أن المصالح الوطنية والوحدة الترابية تظلان فوق كل اعتبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *