من هدي الجمعة: شكر النعم… ذلك الجانب المنسي في حياة الناس

الحمد لله الذي أغدق علينا من نعمه ما لا يُعدّ ولا يُحصى، وأسبغ علينا ظاهراً وباطناً من فضله وإحسانه، حتى أصبحنا نعيش في بحار من النعم، نألف حضورها، ونعتاد وجودها، وربما غفلنا عن شكر واهبها. قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.

إن أولى النعم وأعظمها نعمة الخلق والإيجاد؛ أن أوجدنا الله من العدم، ومنحنا الحياة بعد أن لم نكن شيئاً مذكوراً، وأحسن خلقنا وصورنا، وجعل في أجسادنا وأرواحنا وعقولنا آيات بديعة من قدرته وحكمته. فما من عضو في الإنسان، ولا نبضة في قلبه، ولا نفس يتردد في صدره، إلا ويحمل شاهداً على عظمة الخالق وجليل صنعه. قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾.

ثم تأتي نعمة الهداية إلى الإسلام، وهي من أجلّ النعم وأعظمها قدراً؛ أن اختار الله لنا ديناً نعرف به خالقنا، ونستقيم به في حياتنا، ونرجو به رحمته ورضوانه. إنها نعمة لا تعادلها كنوز الدنيا، ولا توازيها متع الحياة، ولذلك كان أعظم ما ينبغي أن يسأل المؤمن ربه الثبات عليها، وأن يختم له بها، وأن يميته على الإسلام. قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

ومن نعمه سبحانه أنه رزقنا، وأطعمنا، وسقانا، ووهبنا السمع والأبصار والأفئدة، وجعل لنا في الأرض أسباب العيش، وفي الكون آيات التأمل والتدبر، وفي تعاقب الليل والنهار فرصاً متجددة للحياة والعمل والعبادة. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

ومن تمام فضله أن جعل لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن إليها، وأودع بيننا المودة والرحمة، ورزقنا الذرية والأبناء والحفدة، وجعل الأسرة موطناً للألفة والحنان، وامتداداً للحياة، ومجالاً تتجلى فيه معاني الرحمة والعطاء. وكم من نعمة تحيط بنا في تفاصيل يومنا، لا نشعر بقيمتها إلا حين نفقدها أو نرى غيرنا محروماً منها!

وهنا تكمن المفارقة العجيبة في حياة الإنسان: أنه قد ينشغل بما ينقصه حتى ينسى ما يملكه، ويتطلع إلى ما لم ينل حتى يغفل عما أنعم الله به عليه. قد يحصي همومه ولا يحصي نعمه، ويتذكر ما فاته ولا يتأمل ما أُوتيه، ويطلب المزيد من العطاء دون أن يقف طويلاً عند واجب الشكر والاعتراف بالفضل.

ولذلك كان شكر النعم من أعظم العبادات التي يغفل عنها كثير من الناس، مع أنها ليست عبادة موسمية ترتبط بمناسبة أو ظرف، وإنما هي عبادة يومية ينبغي أن تصاحب المؤمن في ليله ونهاره، وفي عسره ويسره، وفي صحته ومرضه، وفي كل أحواله.

فالشكر ليس مجرد كلمة تقال باللسان، بل هو عبادة قلبية وإيمانية وسلوكية؛ أن يستشعر القلب فضل الله، وأن يلهج اللسان بحمده، وأن تستعمل الجوارح ما أنعم الله به عليها في طاعته ومرضاته. فمن شكر نعمة العلم أن ينفع بها، ومن شكر نعمة المال أن يؤدي حقها، ومن شكر نعمة الصحة أن يسخرها في الخير، ومن شكر نعمة العمر ألا يبدده فيما لا ينفع، ومن شكر نعمة الأسرة أن يصونها بالمودة والرحمة والإحسان.

وللشكر منزلة عظيمة في ميزان الإيمان؛ فقد وعد الله الشاكرين بالمزيد من فضله، فقال سبحانه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. وهذا وعد رباني كريم، يجعل الشكر باباً للزيادة والبركة والرضا، ويعلمنا أن النعمة لا تُحفظ بكثرة التعلق بها، وإنما بحسن الاعتراف بواهبها واستعمالها فيما يرضيه.

وقد أثنى الله تعالى على عباده الشاكرين، وبيّن أن الشكر خصلة لا يبلغها إلا من وفقه الله وجاهد نفسه عليها، فقال سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. كما وصف نبيه نوحاً عليه السلام بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، في إشارة بليغة إلى أن الشكر ليس موقفاً عابراً، بل مقام إيماني رفيع، وسلوك دائم، وخصلة من خصال الأنبياء والصالحين.

ومن أجمل ما يضيء هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له». وهنا تتجلى روعة الإيمان؛ فالمؤمن لا يعيش أسير الظروف، ولا يجعل سعادته رهينة ما يملك أو يفقد، بل يتعامل مع الحياة بقلب يعرف الشكر عند النعمة، والصبر عند الابتلاء، والرضا بقضاء الله في الحالتين.

إننا بحاجة اليوم إلى أن نعيد الشكر إلى مكانته في حياتنا، وأن نربي أبناءنا على ثقافة الاعتراف بالنعمة، وأن نحرر قلوبنا من أسر المقارنة والتذمر والجحود. فليس الغنى أن تمتلك كل شيء، وإنما الغنى أن تعرف قيمة ما أنعم الله به عليك. وليس الفقر أن ينقصك بعض متاع الدنيا، وإنما الخسران الحقيقي أن تحيط بك النعم ولا يستيقظ في قلبك معنى الحمد والشكر.

ومن هدي هذه الجمعة المباركة أن نجعل الشكر عهداً متجدداً مع الله؛ نحمده على نعمة الإسلام والإيمان، وعلى نعمة الحياة والصحة والعافية، وعلى نعمة الأهل والأبناء، وعلى الرزق والستر والأمن، وعلى ما نعلم من نعمه وما لا نعلم، وعلى ما أعطانا وما صرف عنا من البلاء.

فالجمعة يوم مبارك، تتجدد فيه صلة العبد بربه، ويكثر فيه الذكر والدعاء، وفيه ساعة إجابة، فلنجعل من دعائنا أن يرزقنا الله قلوباً شاكرة، وألسنة ذاكرة، وأعمالاً صالحة، وأن يعيننا على أداء حق نعمه، وألا يجعلنا ممن يألفون النعمة حتى ينسوا المنعم.

اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وارزقنا دوام الحمد وحسن الوفاء بنعمك، وثبتنا على الإسلام حتى نلقاك، واجعلنا من عبادك الشاكرين.

اللهم اجعلنا ممن إذا أُعطوا شكروا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *