على هامش استدعاء محمد حسين يعقوب للشهادة: لا تكون “شيخا” حتى تدفع الثمن

الوطن 24/ بقلم: نورالدين الحاتمي

 أثار موضوع استدعاء “الداعية” و”الشيخ” محمد حسين يعقوب للإدلاء بشهادته في واحدة من قضايا “الإرهاب” نقاشا واسعا واهتماما كبيرا من قبل عدد من المهتمين والمراقبين، وهو الاهتمام الذي يعود إلى شهرة هذا الأخير و”نجوميته” التي حظي بها من خلال احتفاء وسائل الاعلام واحتفالها به.

 ولولا أن الناس انخرطوا في موضوعه ما فعلنا، ولولا أن الناس شغلهم هذا الأمر ما خضنا فيه. غير أننا نقول أن الموقف الذي وضع فيه الرجل لا يرضاه حر لأحد من الأبرياء، وإنه ليؤلمنا أن نرى أحدا من الأبرياء في مثله، وليس يليق بأخلاق و قيم اهل مصر أن يُذل رجل مسن شاب شعر رأسه ولحيته ولم يعد يقوى على الوقوف.

    هذا من جهة أولى ومن جهة ثانية، فقد لفت انتباهنا في الموضوع عدد من القضايا الهامة، التي تستحق التوقف عندها، منها: ذكر اسم هذا الرجل، وغيره ممن على منهجه ومذهبه، على لسان متهمين منتسبين إلى جماعة “داعش”، ومنها طلبه من القاضي أن لا يسمح للصحافة أن تصور اللقاء معللا طلبه بقوله: أن الصحافة كثيرا ما أوذي منها، ومنها قوله عن نفسه أنه ليس عالما، وإنما هو مجرد داعية يدعو العوام إلى الله بل قال عن نفسه أنه جاهل، وأنه لم يتخصص في أي فرع من فروع العلوم الشرعية، كما لفت انتباهنا قوله أنه لا يعلم ما إن كانت لرموز جماعته ك” محمد بن صالح بن عثيمين” و”عبد العزيز بن باز” مخالفات ل”شيخ الاسلام ابن تيمية” وغيرها من القضايا.

    إن أول ما يجب الوقوف عنده هنا، هو التساؤل حول ما إذا كان هؤلاء المتهمون قد ذكروا أولئك الأشخاص حقا وصدقا. إن ورود أسماء هؤلاء يبعث على الريبة والشك، وبالتالي، فأن يذكر هؤلاء المتهمون أولئك “الشيوخ” فهذا الأمر إما انه غير صحيح بالمرة ، وإنما هو محاولة للإيقاع بهم والنيل منهم، لأن الدور اليوم سيأتي عليهم و سينالهم من الأذى ما نال الذين من قبلهم، تماما كما كان يتنبأ لهم بعض “شيوخ” السلفية الجهادية، و إما أن هؤلاء قد ذكروهم فعلا وإنما كان غرضهم توريطهم، والزج بهم في ملفات تكتسي خطورة شديدة و أهمية كبرى على الصعيد الأمني، و إما أنهم ذكروا أسماءهم ظنا منهم أن تلك الأسماء “المعتدلة” قد تخفف عنهم العقوبة و لكن هذا بعيد، لأن التورط في الجرائم ذات الطابع الإرهابي تورط فيما لا تخفيف فيه.

  إنه من غير الوارد إطلاقا أن يكون هؤلاء ذوي وزن عند العناصر المنتسبة إلى “السلفية الجهادية” ومن غير الوارد أيضا، أن يكونوا محل ثقة ويتمتعون بمصداقية تجعل هؤلاء “الجهاديين” يتأثرون بهم وبفتاواهم ودروسهم.

   صحيح أن لهم مريدين وأنصارا على امتداد العالم الإسلامي، وصحيح كذلك، أن لهم جمهورا واسعا من المسلمين، ولكن صحيح أيضا أن هؤلاء الذين يعتبرون من المعجبين بهم، بمجرد تبنيهم للرؤية “السلفية الجهادية” يقلعون عن الإنصات إليهم والتلقي عنهم

  بالنسبة للتيار “السلفي الجهادي” فإن الشيوخ عنده، فقط أولئك الذين يهاجرون إلى البؤر الجهادية ويطلبون الموت مظانه كما يحلو لهم القول، ويعبرون عن ذلك بقول الواحد منهم: “إذا كنت تريد أن تكون إمامي فكن أمامي”. وبما أن محمد حسين يعقوب ليس في الجبهة ولا يحمل السلاح، وإنما هو قاعد في بيته بين أفراد عائلته ومحبيه، فإنه ليس من شيوخ “التيار الجهادي” فضلا عن جماعة “داعش”.

  إن من المقطوع به أن محمد حسين يعقوب ـ والأسماء الأخرى التي وردت في المحاضرـ لا علاقة لها “بالتيار الجهادي”. والذين يعتمدون في التدليل على وجود هذه العلاقة على كلمات أثنى فيها الرجل على أسماء جهادية مشهورة فهذه الكلمات لا تفيدهم في شيء لأن الرجل كان يقولها فقط من أجل أن تتسع قاعدته الجماهيرية. إن الشيء الوحيد الذي يجمع بينهم، اي بين محمد حسين يعقوب وأصحابه وبين “التيار السلفي الجهادي” هو التراث الذي يستقون منه جميعهم، أفكارهم.

 وأما بالنسبة للطلب الذي التمس به من الهيئة عدم التصوير والعرض على الجمهور، فإن المسألة هنا واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار. إنه يطلب منهم بصريح العبارة أن يبقى ما يقوله ـ أو ما سيقوله ـ طي الكتمان، أي سرا، لأنه قد يدلي بما قد يجر عليه نقمة الشارع ويفقده الأتباع والمريدين، والهيئة تعرف ذلك تماما وتدركه، ولذلك أصرت على أن يكون كلامه موثقا ويتم عرضه على الجماهير، وهذه الدعوى تجد سندها في الأسئلة التي كان القاضي يطرحها على “الشيخ” كتخصصه ومستوى معرفته بالعلوم الشرعية ومدى اطلاعه على مواطن الاختلاف بين بعض أعلام السلفية، ومضمون الفكر السلفي وشروط المجتهد وسؤاله إياه عن بعض التفاصيل الفقهية التي من الوارد جدا أن لا يعرفها وغيرها من الأسئلة التي كشفت تواضع الرجل من الناحية العلمية و الفكرية، وبينت سطحيته وهشاشته على مستوى التكوين والوعي بالإيديولوجيا التي طالما فاخر هو نظراؤه بالانتساب إليها. وإذا كان هناك من ذهب إلى أن الرجل كان ذكيا في أجوبته وردوده فإن الواقع يثبت العكس، أي أن الرجل كان في وضع لا يحسد عليه.

إن المفارقة هنا، تكمن في أن هؤلاء الذين كانوا ينبرون للحديث عن الدين، وتقمص شخصيات الدعاة الكبار، كانوا يقولون ويكررون القول: ان من كان له أتباع وجمهور يقلده أو يقتدي به، فإنه لا يصح له أن يتعامل بالتقية، ولا يجوز في حقه أن يداري خوفا على نفسه وحرصا عليها، فمصلحة الدين مقدمة على مصلحة النفس. وقد كانوا يستنبطون هذا الرأي وهذا الموقف من محنة “الإمام” أحمد بن حنبل وقصة ثباته وصلابته في مواجهته لفتنة خلق القرآن. والحق ان هؤلاء صدعوا رؤوسنا بحديثهم وثنائهم على عالمهم وإمامهم “إمام أهل السنة” وصموده في تلك الفتنة وإنهم لفرط حديثهم عن تلك القصة خيل إلى الناس أن هذا الإمام ليس له في تاريخه كله إلا ذلك الموقف. أقول إنهم يبالغون في الحديث عن تلك القضايا، ويحاكمون الناس على ضوئها حتى إذا وقعوا هم في الامتحان والاختبار، ضربوا بتلك القواعد عرض الحائط، وأفتوا لأنفسهم بما رأوه مناسبا.

  لقد كان هؤلاء يذكرون الناس دائما بأن عليهم أن يثبتوا في وجه الشدائد، وأن يصبروا ويحتسبوا امرهم لله، وأن الله ما ابتلى العبد إلا لأنه يحبه، وأن على العبد المؤمن أن يحسن الظن بربه، ويرددون مع القائل “أن المرء لا يمكن حتى يبتلى” وأنه “بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين” أو كما كانوا يقولون، ويرددون أيضا، قولة ابن تيمية أن جنته في قلبه وبالتالي لا يملك أعداؤه ان يفعلوا به شيئا، لأنهم إن سجنوه، فسجنه خلوة وإن نفوه، فنفيه سياحة، وإن قتلوه، فقتله شهادة، ويقرأون حديث الرسول “ص” الذي معناه: أن ما خاف الله خوف الله منه جميع خلقه ومن لم يخف الله خوفه الله من جميع خلقه، وأنه إذا كان الله راضيا عنك فهذا هو الهدف و هذا هو الأمل. لقد كانوا لا يفترون عن ترديد هذه المحفوظات ولا يملون من تكرارها في كل المناسبات والمواسم، ولكنهم متى ابتلاهم الله كما اقتضت سنته في الأولين والآخرين لم تر لتلك المحفوظات اثرا عليهم ولم تجدهم كما تقتضي تلك النصوص والمنقولات. 

إن هذا الابتلاء البسيط الذي تعرض له الرجل درس هام، وهام جدا، لكل الذين تعودوا أن يلتذوا بوصفهم شيوخا وعلماء وحراس عقيدة، ورسالة عظيمة لهم مفادها أنه لا يمكن أن تكونوا شيوخا ورموزا يجلكم الناس وينقادون لكم، دون أن تدفعوا الثمن. لطالما ردد هؤلاء على مسامع الناس الآية الكريمة ” أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا أمنا وهم لا يفتنون ….”الآية. ليرد عليهم منطق الاجتماع أحسب هؤلاء الدعاة أن يتركوا أن يزعموا أنهم حماة الدين وحراس العقيدة وأنهم هم الذين يدلون على الله، ويجنوا غنائم ذلك ووهم لا يبتلون. إن الابتلاء هنا هو دليل الصدق.