فرنسا: مئات الآلاف يحتجون ضد غلاء المعيشة.. والشارع يضغط على حكومة لوكورنو لرفع الأجور وتحسين القدرة الشرائية

الوطن24/ باريس
شهدت العاصمة الفرنسية باريس وعدد من المدن الفرنسية، الخميس 5 نونبر 2026، موجة احتجاجات وإضرابات واسعة شارك فيها مئات الآلاف من المواطنين، استجابة لدعوة النقابات العمالية، للمطالبة بالزيادة في الأجور وتحسين القدرة الشرائية ومواجهة الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة.
ورفعت الحشود المشاركة شعارات تطالب بتحسين الظروف الاجتماعية، والدفاع عن الخدمات العمومية ومناصب الشغل، في وقت باتت فيه القدرة على مواجهة المصاريف اليومية تشكل تحدياً متزايداً بالنسبة إلى شرائح واسعة من المجتمع الفرنسي، بما فيها الأسر ذات الدخل المحدود والمتقاعدون والعاملون بأجور متواضعة.
وبحسب الأرقام الرسمية لوزارة الداخلية الفرنسية، بلغ عدد المشاركين في مختلف أنحاء البلاد نحو 575 ألف شخص، بينما قدرت الكونفدرالية العامة للشغل (CGT) العدد بنحو 1.6 مليون متظاهر، في اختلاف يعكس حجم التعبئة التي عرفتها هذه التحركات.
ورغم أن عدداً كبيراً من المسيرات مر في أجواء سلمية، فقد شهدت بعض المدن، من بينها باريس وليون ومرسيليا ورين وبوردو، توترات واشتباكات متفرقة بين محتجين وقوات الشرطة، كما سجلت السلطات توقيف 448 شخصاً خلال هذه التحركات.
ولم تقتصر الاحتجاجات على المطالب المهنية والاجتماعية، بل تزامنت مع تحركات طلابية واحتجاجات داخل عدد من المؤسسات التعليمية والجامعية، على خلفية المطالبة بتحسين ظروف الدراسة وتوفير الإمكانات اللازمة للتعليم، في مؤشر على اتساع دائرة الاحتقان لتشمل أجيالاً وفئات اجتماعية مختلفة.
ومن بين المشاهد التي تعكس عمق الأزمة الاجتماعية، شهادات مواطنين يعيشون أوضاعاً مالية صعبة، من بينهم أمهات وأسر تعتمد على إعانة الدخل التضامني (RSA)، حيث باتت المساعدات الاجتماعية، رغم أهميتها، غير كافية في نظر عدد من المستفيدين لمواجهة الأعباء اليومية وارتفاع تكاليف السكن والطاقة والمواد الأساسية.
وفي محاولة لاحتواء هذا الغضب الاجتماعي وفتح قنوات الحوار مع الشركاء الاجتماعيين، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو عن عقد مؤتمر اجتماعي يوم الاثنين 9 نونبر، بمقر رئاسة الحكومة في ماتينيون، بمشاركة ممثلي النقابات العمالية وأرباب العمل، لبحث سبل تقديم إجابات بشأن الأجور والقدرة الشرائية.
وتأتي هذه المبادرة الحكومية في وقت تتزايد فيه مطالب النقابات برفع الحد الأدنى للأجور وتعميم تحسين الرواتب، إلى جانب حماية الخدمات العمومية وتعزيز القدرة الشرائية للأجراء والمتقاعدين والفئات الأكثر هشاشة.
بين الحوار والانتظارات الاجتماعية
ما يجري في فرنسا لا يتعلق فقط بيوم احتجاجي عابر، بل يعكس عودة القدرة الشرائية إلى واجهة الصراع الاجتماعي، بعدما أصبحت كلفة الحياة اليومية محوراً أساسياً في النقاش العام.
فالمواطن الفرنسي الذي يخرج إلى الشارع لا يطالب بالضرورة بشعارات سياسية كبرى، بقدر ما يبحث عن أجوبة عملية تتعلق بأجره الشهري، وفاتورة السكن والطاقة، وأسعار المواد الغذائية، والقدرة على تلبية احتياجات أسرته.
ويبقى الرهان الحقيقي أمام حكومة سيباستيان لوكورنو هو تحويل المؤتمر الاجتماعي المرتقب إلى محطة تفاوضية تفضي إلى نتائج ملموسة، بدل الاكتفاء بتبادل المواقف والوعود، خصوصاً أن اتساع رقعة الاحتجاجات يعكس حجم الانتظارات الاجتماعية.
وبين مطالب النقابات وتحركات الطلبة وشهادات الأسر التي تواجه صعوبات معيشية متزايدة، يجد المشهد الفرنسي نفسه أمام سؤال جوهري: هل يستطيع الحوار الاجتماعي أن يترجم المطالب إلى تحسين فعلي في حياة المواطنين، أم أن الشارع سيظل الوسيلة الأساسية لإيصال صوت الفئات المتضررة؟
