الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: حزب التاريخ أمام امتحان المراجعة وإعادة البناء

ليس من السهل الكتابة عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كما يُكتب عن حزب عابر في الحياة السياسية المغربية. فهذا الحزب ليس مجرد تنظيم سياسي ظهر في لحظة انتخابية ثم انطفأ، وإنما هو جزء من الذاكرة السياسية الوطنية، ومن تاريخ المعارضة والنضال الديمقراطي والدفاع عن المؤسسات والعدالة الاجتماعية.

ولهذا تحديداً، فإن السؤال عن حاضر الاتحاد الاشتراكي ومستقبله لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة للتاريخ، ولا إلى تصفية حسابات داخلية، وإنما إلى وقفة نقدية مسؤولة مع تجربة سياسية تحتاج إلى مراجعة عميقة وشجاعة.

فالأحزاب التاريخية لا تحافظ على تاريخها بمجرد استحضاره، وإنما بالحفاظ على قدرتها على التجدد والاستجابة للتحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يعرفها المجتمع.

لقد مر الاتحاد الاشتراكي بمحطات متعددة، عرف خلالها الصعود والتأثير والمشاركة في صناعة القرار، كما عرف مراحل من التراجع والانكماش وفقدان جزء من حضوره وتأثيره.

ولا يمكن اختزال هذه التحولات في سبب واحد أو تحميلها لشخص واحد؛ فالتجارب الحزبية الكبرى أكثر تعقيداً من ذلك.

والسؤال الحقيقي اليوم ليس: من المسؤول وحده عن التراجع؟

بل:

هذه أسئلة لا ينبغي أن تخيف المناضلين والمناضلات، بل ينبغي أن تكون مدخلاً لإعادة بناء الثقة داخل الحزب وخارجه.

فالنقد الداخلي ليس خيانة للحزب، والمراجعة ليست طعناً في تاريخه، والاختلاف ليس خروجاً عن الصف.

في التجارب الديمقراطية الحزبية، القيادة ليست امتيازاً أبدياً، وإنما مسؤولية سياسية وأخلاقية وتنظيمية.

والقيادة التي تنجح تُحاسَب على نجاحها، والتي تتعثر تُسأل عن أسباب التعثر، والتي تفشل في تحقيق أهدافها ينبغي أن تملك الشجاعة السياسية لتقديم الحساب وفتح الطريق أمام التجديد.

وهذه ليست قاعدة خاصة بحزب دون آخر، وإنما من صميم الديمقراطية الداخلية.

لذلك فإن مراجعة تجربة القيادة الحالية للاتحاد الاشتراكي ينبغي أن تتم بهدوء ومسؤولية، بعيداً عن الشخصنة، ولكن من دون مجاملة سياسية.

ينبغي أن تطرح الأسئلة حول:

  • الوضع التنظيمي للحزب؛
  • علاقته بقواعده ومناضليه؛
  • قدرته على استقطاب الأجيال الجديدة؛
  • حضوره في المجتمع؛
  • وضوح خطه السياسي؛
  • موقعه داخل المعارضة أو الأغلبية؛
  • قدرته على إنتاج الأفكار والبرامج؛
  • علاقته بالنقابات والمجتمع المدني والنخب الثقافية؛
  • وأخيراً قدرته على تقديم مشروع سياسي مقنع للمغاربة.

أخطر ما يمكن أن يحدث في لحظات التراجع هو اختزال النقاش في الأشخاص.

فإذا تحولت المراجعة إلى معركة حول الأسماء، ضاعت الأسئلة الكبرى.

أما إذا تحولت إلى نقد للتجربة، فإنها تصبح فرصة لإعادة البناء.

ولهذا يحتاج الاتحاد الاشتراكي إلى مؤتمر سياسي وتنظيمي حقيقي للمراجعة، لا يكتفي بتجديد الهياكل، وإنما يفتح الملفات الكبرى للحزب، ويعيد قراءة مساره، ويستمع إلى قواعده، وإلى أجياله القديمة والجديدة، وإلى محيطه الاجتماعي والفكري.

المطلوب ليس مؤتمراً لتبادل المواقع، وإنما محطة لإعادة تعريف الحزب لنفسه.

من نحن؟

ماذا نريد؟

من نمثل؟

ما موقعنا في المجتمع المغربي اليوم؟

وكيف نعيد بناء الثقة بين الحزب والمواطن؟

المغرب يحتاج إلى أحزاب قوية

إن أزمة حزب تاريخي ليست شأناً حزبياً داخلياً فقط.

ومن هذا المنظور، فإن إضعاف الأحزاب التاريخية أو تحولها إلى كيانات انتخابية محدودة التأثير لا يخدم الحياة السياسية.

والاتحاد الاشتراكي، بما راكمه من تاريخ ورصيد سياسي وتنظيمي، يظل جزءاً مهماً من التركيبة الحزبية المغربية.

لكن التاريخ وحده لا يكفي.

فالجيل الجديد لا يعيش ذاكرة الصراعات التي عاشها الجيل السابق، ولا يتعامل مع الأحزاب بالمعايير نفسها التي كانت سائدة قبل عقود.

إنه يريد خطاباً جديداً، وتنظيماً أكثر انفتاحاً، ونخباً قريبة منه، وبرامج ملموسة، ومواقف واضحة، وممارسة سياسية تقنعه بأن الحزب ليس مجرد مؤسسة انتخابية.

التجارب الحزبية المغربية نفسها تقدم دروساً مهمة في قدرة التنظيمات السياسية على الانتقال من التراجع إلى إعادة البناء.

وتجربة حزب العدالة والتنمية المغربي بعد أزمته الانتخابية والتنظيمية تقدم، بصرف النظر عن الاختلاف في المرجعيات والبرامج، مثالاً يمكن دراسته من زاوية واحدة على الأقل: كيف يمكن لحزب أن يحاول تحويل لحظة الانكماش إلى فرصة لإعادة ترتيب البيت التنظيمي واستعادة الحضور السياسي؟

ليس المطلوب أن ينسخ الاتحاد الاشتراكي تجربة حزب آخر.

فلكل حزب تاريخه ومرجعيته وتركيبته الاجتماعية ومساره السياسي.

لكن المطلوب هو دراسة التجارب واستخلاص الدروس.

فالسياسة لا تتقدم بالقطيعة مع التجارب، وإنما بالتعلم منها.

إعادة بناء الاتحاد الاشتراكي لا يمكن أن تتم من دون فتح الأبواب أمام جيل جديد من المناضلين والمناضلات.

جيل الشباب الذي لا ينبغي أن يُستدعى فقط في الحملات الانتخابية، وإنما ينبغي أن يكون شريكاً في التفكير والقرار والمسؤولية.

وكذلك النساء، اللواتي ينبغي أن يكون حضورهن داخل الحزب حضوراً سياسياً حقيقياً، لا مجرد استكمال للصورة التنظيمية.

فالتجديد ليس إقصاءً للقديم، كما أن الحفاظ على الذاكرة ليس رفضاً للجديد.

المطلوب هو مصالحتهما داخل مشروع واحد:

خبرة الأجيال السابقة، وطاقة الأجيال الجديدة.

ربما تكون المهمة الأساسية أمام الاتحاد الاشتراكي اليوم هي الانتقال من حزب يستند إلى ذاكرة تاريخية قوية إلى حزب يمتلك مشروعاً مستقبلياً واضحاً.

وهذا يتطلب إعادة بناء الخطاب الاشتراكي في ضوء التحولات الجديدة.

هذه ليست أسئلة نظرية.

المراجعة ليست نهاية الحزب

في تاريخ الأحزاب، قد تكون لحظة الاعتراف بالأزمة بداية الخروج منها.

أما إنكار الأزمة، فقد يحول التراجع المؤقت إلى مسار دائم.

لذلك فإن المطلوب من الاتحاد الاشتراكي ليس الدفاع عن كل ما تحقق في الماضي، ولا التنكر لكل ما تحقق، وإنما وضع التجربة كلها فوق طاولة النقد الهادئ:

ما الذي نجح؟

ما الذي فشل؟

ما الذي تغير؟

ما الذي لم يعد صالحاً؟

وما الذي يجب أن يبقى؟

ثم الانتقال من التشخيص إلى الفعل.

مراجعة سياسية، مراجعة تنظيمية، مراجعة خطابية، مراجعة انتخابية، ومراجعة للعلاقة بالمجتمع.

الاتحاد الاشتراكي أمام لحظة تحتاج إلى شجاعة سياسية أكثر مما تحتاج إلى شعارات.

فالحزب التاريخي لا يحميه تاريخه من التراجع، ولا تمنحه ذاكرته حصانة من النقد.

الذي يحمي الأحزاب هو قدرتها على التجدد.

والذي يمنحها المستقبل هو قدرتها على الإصغاء إلى المجتمع، وإنتاج الأفكار، وتكوين الأجيال، وتجديد القيادات، وممارسة الديمقراطية داخلها قبل المطالبة بها خارجها.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الاتحاد الاشتراكي قد عرف تراجعات متتالية؛ فهذا أمر يمكن أن يكون موضوعاً للبحث والتحليل والاختلاف في تفسير أسبابه.

السؤال الأهم هو:

هل يمتلك الحزب الإرادة السياسية والتنظيمية لتحويل هذه التراجعات إلى نقطة انطلاق جديدة؟

إن المناضلين والمناضلات أمام مسؤولية تاريخية: أن يفتحوا نقاشاً صريحاً حول مستقبل حزبهم، وأن يجعلوا من النقد وسيلة للبناء لا للهدم، ومن التداول وسيلة للتجديد لا للصراع، ومن الديمقراطية الداخلية قاعدة لاستعادة الثقة.

فالمغرب يحتاج إلى أحزاب قوية، والاتحاد الاشتراكي واحد من الأحزاب التي راكمت تاريخاً لا يجوز أن ينتهي إلى مجرد فصل من الذاكرة السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *