فرنسا/ ميلاشنون يرفع سقف الوعود الانتخابية: 1700 يورو للحد الأدنى للأجور والتقاعد في سن الستين ومراجعة عضوية الناتو

في خطوة تعطي إشارة قوية لانطلاق الاستعدادات للانتخابات الرئاسية الفرنسية لسنة 2027، كشفت حركة «فرنسا الأبية» (La France insoumise)، بقيادة جان لوك ميلاشنون، الجمعة 6 نونبر 2026، عن النسخة الجديدة من برنامجها الانتخابي تحت عنوان «المستقبل المشترك» (L’Avenir en commun)، متضمنة 1069 إجراءً، من بينها 238 مقترحاً جديداً، في مشروع سياسي يطرح تغييرات واسعة في النموذج الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ويمتد إلى مراجعة توجهات فرنسا في السياسة الخارجية والدفاع.

ويأتي الإعلان عن البرنامج في سياق سياسي يتسم بتزايد التنافس المبكر حول خلافة الرئيس إيمانويل ماكرون، حيث يسعى ميلاشنون إلى تقديم نفسه باعتباره صاحب مشروع بديل للقوى السياسية التقليدية، مستنداً إلى خطاب يضع العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة والسيادة الاقتصادية والتحول البيئي في مقدمة أولوياته.

ويحمل البرنامج عنواناً فرعياً هو «برنامج فرنسا الجديدة»، ويشكل النسخة الخامسة من مشروع «المستقبل المشترك»، الذي رافق الحركة خلال الاستحقاقات الرئاسية السابقة، قبل أن يخضع هذه المرة لمراجعة وتوسيع شمل عدداً من الملفات والقضايا المستجدة.

من أبرز الوعود التي يتضمنها البرنامج رفع الحد الأدنى للأجور في فرنسا (SMIC) إلى 1700 يورو صافياً شهرياً، وهو مقترح يستهدف تحسين القدرة الشرائية للعاملين ذوي الدخل المحدود، في ظل استمرار النقاش الفرنسي حول تكاليف المعيشة والأجور والضرائب.

وفي ملف التقاعد، تدعو الحركة إلى إلغاء إصلاح نظام التقاعد الذي أقرته حكومة إيمانويل ماكرون، والذي رفع السن القانونية للتقاعد تدريجياً إلى 64 عاماً، والعودة إلى سن 62 عاماً، مع استعادة الحق في التقاعد ابتداءً من سن الستين بمعاش كامل بالنسبة إلى من استكملوا 40 سنة من الاشتراكات.

كما يقترح البرنامج إعادة النظر في نظام توزيع الثروة والضرائب، وإعادة العمل بالضريبة على الثروة مع إدراج البعد البيئي، واعتماد نظام ضريبي أكثر تصاعدية، إلى جانب إجراءات تستهدف الحد من الفوارق الاجتماعية والاقتصادية.

وفي المجال الصحي، يتمسك ميلاشنون بمشروع «100 في المائة ضمان اجتماعي» (100 % Sécu)، الذي يقوم على تعميم التعويض الكامل عن النفقات الصحية وإدماج صناديق التأمين الصحي التكميلية ضمن منظومة الحماية الاجتماعية.

ويتضمن البرنامج كذلك إقرار وضع خاص للأسر ذات الوالد الواحد، وتوسيع بعض الامتيازات الاجتماعية، خصوصاً تخفيضات النقل، فضلاً عن تدابير تتعلق بالسكن والتعليم والخدمات العمومية ومحاربة الهشاشة.

ومن أبرز التحولات التي تعكسها النسخة الجديدة من البرنامج وضع الاستعجال البيئي في صدارة المشروع السياسي للحركة، بعدما أصبح التخطيط البيئي مدخلاً أساسياً لإعادة تنظيم الاقتصاد والمجتمع.

وتقترح «فرنسا الأبية» إحداث ما تسميه «المناطق البيئية» (Éco-régions)، من خلال إعادة تنظيم المجال الترابي وفق الخصائص الطبيعية والبيئية، مثل الأحواض المائية والجبال والواجهات البحرية.

كما تدعو إلى إنشاء مجلس للتخطيط البيئي يتولى الإشراف على إعادة توطين الإنتاج الأساسي داخل فرنسا، وتقليص التبعية للخارج في القطاعات الاستراتيجية، مع إدراج ما يعرف بـ«القاعدة الخضراء» في الدستور، بما يضمن عدم استنزاف الموارد الطبيعية بوتيرة تتجاوز قدرتها على التجدد.

وفي ملف الطاقة، تجدد الحركة دعوتها إلى الخروج التدريجي من الطاقة النووية، والانتقال إلى الاعتماد الكامل على الطاقات المتجددة في أفق سنة 2060، وهو توجه مرشح لإثارة نقاش سياسي واقتصادي واسع، بالنظر إلى المكانة التي تحتلها الطاقة النووية في منظومة إنتاج الكهرباء الفرنسية.

ولا يتوقف المشروع البيئي عند حدود الطاقة، بل يشمل أيضاً تطوير القطاع الفلاحي، وخلق مناصب شغل جديدة، ومراجعة السياسات المرتبطة بالنقل والتلوث والتغيرات المناخية.

على مستوى السياسة الخارجية، يتبنى البرنامج مواقف تعكس رغبة الحركة في مراجعة موقع فرنسا داخل التحالفات العسكرية والسياسية الغربية.

وتدعو «فرنسا الأبية» إلى إخراج فرنسا من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إطار توجه يقوم على عدم الانحياز واستعادة استقلالية القرار السياسي والعسكري الفرنسي، وهو موقف يفتح نقاشاً حول مستقبل العلاقات الفرنسية مع الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين داخل المنظومة الأطلسية.

وفي ما يتعلق بالشرق الأوسط، يجدد البرنامج موقف الحركة الداعم للحقوق الفلسطينية، ويدعو إلى تعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، والعمل على تنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

كما يتمسك بحل الدولتين، مع الدعوة إلى أخذ صيغ أخرى بعين الاعتبار لضمان الحقوق الفردية والجماعية المعترف بها دولياً للفلسطينيين، ومن بينها تصور الدولة الواحدة القائمة على المساواة.

ومن بين الملفات السياسية البارزة التي يتمسك بها ميلاشنون مشروع تأسيس الجمهورية السادسة، عبر إطلاق مسار تأسيسي يهدف إلى إعادة النظر في المؤسسات الدستورية الفرنسية، وتعزيز الديمقراطية التشاركية، وتوسيع مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار.

ويشمل البرنامج أيضاً مقترحات تتعلق بإصلاح الخدمات العمومية، والتعليم والبحث العلمي، والسكن، ومحاربة التمييز والعنصرية، فضلاً عن قضايا الهجرة والحقوق والحريات.

كما يقترح اعتماد خدمة مدنية بيئية إلزامية ومؤدى عنها لفائدة الشباب، للمساهمة في مواجهة التحديات المناخية وتعزيز قدرة المجتمع على التكيف مع التحولات البيئية.

ورغم العدد الكبير من الإجراءات والوعود التي تضمنها البرنامج، فإن الجانب المالي يظل أحد أبرز الملفات التي ستحدد مدى قدرة الحركة على تحويل مشروعها السياسي إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

وتراهن «فرنسا الأبية» على إعادة توزيع الثروة، وتغيير النظام الضريبي، وإعادة توجيه الإنفاق العمومي، إلى جانب مراجعة بعض الاختيارات الاقتصادية الأوروبية، لتوفير الموارد اللازمة لتنفيذ التزاماتها.

ومن المنتظر أن تشكل مسألة التكلفة والتمويل محوراً أساسياً في النقاشات المقبلة، خصوصاً أن البرنامج يطرح التزامات مالية واجتماعية واسعة، في وقت تواجه فيه فرنسا تحديات مرتبطة بالعجز والمديونية والقدرة التنافسية للاقتصاد.

ومن المقرر أن يقدم جان لوك ميلاشنون الخطوط السياسية للبرنامج خلال تجمع انتخابي يوم السبت 7 نونبر بمنطقة لو بورجيه، بضواحي باريس، في محطة ينتظر أن تعطي دفعة جديدة لحضوره السياسي قبل الاستحقاق الرئاسي لسنة 2027.

وبين وعود رفع الأجور وخفض سن التقاعد، والخروج من الطاقة النووية والناتو، وإعادة بناء مؤسسات الجمهورية، يضع ميلاشنون الفرنسيين أمام مشروع يقوم على مراجعة عميقة لعدد من الاختيارات التي حكمت السياسة الفرنسية خلال العقود الماضية.

لكن الرهان الانتخابي لن يتوقف عند جاذبية هذه الوعود، بل سيمتد إلى قدرة الحركة على إقناع الناخبين بواقعيتها المالية والاقتصادية، وإمكانية جمع أغلبية سياسية قادرة على تنفيذها في حال الوصول إلى قصر الإليزيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *